تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
( 88 ) [ يونس ] فهذا الشد على القلب هو الصد والمنع ، ولهذا قال ابن عباس : يريد امنعها ، والمعنى قسها واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان . وهذا مطابق لما في التوراة أن - اللّه سبحانه وتعالى - قال لموسى : اذهب إلى فرعون فإني سأقسي قلبه فلا يؤمن حتى تظهر آياتي وعجائبي بمصر . وهذا الشد والتقسية من كمال عدل الرب - سبحانه - في أعدائه ، جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم كعقوبته لهم بالمصائب ، ولهذا كان محمودا عليه . فهو حسن منه وأقبح شئ منهم ، فإنه عدل منه وحكمة ، وهو ظلم منهم وسفه . فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم يضع الخير والشر في أليق المواضع بهما ، والمقضى المقدر يكون ظلما وجورا وسفها هو فعل جاهل ظالم سفيه .

فصل

وأما الصرف فقال تعالى :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
( 127 ) [ التوبة ] . فأخبر - سبحانه - عن فعلهم وهو الانصراف ، وعن فعله فيهم وهو صرف قلوبهم عن القرآن وتدبره ؛ لأنهم ليسوا أهلا له ، فالمحل غير صالح ، ولا قابل ، فإن صلاحية المحل بشيئين : حسن فهم ، وحسن قصد ، وهؤلاء قلوبهم لا تفقه ، وقصودهم سيئة . وقد صرح - سبحانه - بهذا في قوله :
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( 23 ) [ الأنفال ] . فأخبر - سبحانه - عن عدم قابلية الإيمان فيهم ، وأنهم لا خير فيهم يدخل بسببه إلى قلوبهم فلم يسمعهم سماع إفهام ينتفعون به ، وإن سمعوه سماعا تقوم به عليهم حجة ، فسماع الفهم الذي سمعه به المؤمنون لم يحصل لهم . ثم أخبر - سبحانه - عن مانع آخر قام بقلوبهم يمنعهم من الإيمان لو أسمعهم هذا السماع الخاص ، وهو الكبر والتولي والإعراض ، فالأول مانع من الفهم ، الثاني مانع من الانقياد والإذعان ، فأفهام سيئة ، وقصود رديئة ، وهذه نسخة الضلال ، وعلم الشقاء كما أن نسخة الهدى ، وعلم السعادة فهم صحيح وقصد صالح . واللّه المستعان .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 295 | ابن قيم الجوزية