تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
الإيمان ، فكذبهم اللّه وقال :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] ، وفي الآية الأخرى :
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
[ البقرة : 88 ] . فأخبر - سبحانه - أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله ، إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة ، والمعنى : لم نخلق قلوبهم غلفا لا تعي ولا تفقه ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه ، بل اكتسبوا أعمالا عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب ، والختم عليها .

فصل

وأما الحجاب ففي قوله - تعالى - كحكاية عنهم :
وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] . وقوله :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
( 45 ) [ الإسراء ] على أصح القولين ، والمعنى : جعلنا بين القرآن إذا قرأته وبينهم حجابا يحول بينهم وبين فهمه وتدبره والإيمان به ، ويبينه قوله :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
[ الأنعام : 25 ] . وهذه الثلاثة المذكورة في قوله :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
[ فصلت : 5 ] . فأخبر - سبحانه - أن ذلك جعله ، فالحجاب يمنع رؤية الحق ، والأكنة تمنع من فهمه ، والوقر يمنع من سماعه . وقال الكلبي : الحجاب هاهنا مانع يمنعهم من الوصول إلى رسول اللّه بالأذى من الرعب ، ونحوه مما يصدهم عن الإقدام عليه . ووصفه بكونه مستورا ، فقيل : بمعنى ساتر ، وقيل : على النسب ، أي ذو ستر ، والصحيح : أنه على بابه ، أي مستورا عن الإبصار فلا يرى . ومجيء مفعول بمعنى فاعل لا يثبت ، والنسب في مفعول لم يشتق من فعله ، كمكان مهول ، أي : ذي هول ، ورجل مرطوب أي : ذي رطوبة ، فأما مفعول فهو جار على فعله فهو الذي وقع عليه الفعل كمضروب ، ومجروح ، ومستور .

فصل

وأما الران فقد قال تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) [ المطففين ] . قال أبو عبيدة : غلب عليها ، والخمر ترين على عقل السكران ، والموت يرين على الميت فيذهب به ، ومن هذا حديث أسيفع جهينة ، وقول عمر : « فأصبح قد رين به » أي غلب عليه وأحاط به الرين .