وقال أبو معاذ النحوي : الرين : أن يسود القلب من الذنوب ، والطبع : أن يطبع على القلب ، وهو أشد من الرين ، والإقفال أشد من الطبع ، وهو أن يقفل على القلب .
وقال الفراء : كثرت الذنوب والمعاصي منهم فأحاطت بقلوبهم ؛ فذلك الرين عليها .
قال أبو إسحاق : ران : غطى ، يقال : ران على قلبه الذنب يرين رينا أي غشيه .
قال : والرين كالغشاء يغشى القلب ، ومثله الغين .
قلت : أخطأ أبو إسحاق ، فالغين ألطف شيء وأرقه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنه ليغان « 1 » على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم مائة مرة » « 2 » .
وأما الرين والران فهو من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها . وقال مجاهد : هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب . وقال مقاتل : غمرت القلوب أعمالهم الخبيثة .
وفي سنن النسائي والترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء ، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه ، وإن زاد زيد فيها حتى تعلو قلبه » . وهو الران الذي ذكر اللّه :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) [ المطففين ] . قال الترمذي : هذا حديث صحيح « 3 » .
وقال عبد اللّه بن مسعود : كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود القلب كله ، فأخبر - سبحانه - أن ذنوبهم التي اكتسبوها أوجبت لهم رينا على قلوبهم ، فكان سبب الران منهم ، وهو خلق اللّه فيهم ، فهو خالق السبب ومسببه ، لكن السبب باختيار العبد ، والمسبب خارج عن قدرته واختياره .
فصل
وأما الغل فقال تعالى
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 7 ) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ
هامش
( 1 ) ليغان على قلبي : قال ابن الأثير الجزري في جامع الأصول ( 4 / 386 ) أي : ليغطى ويغش ، والمراد به :
السهو ، لأنه كان صلى اللّه عليه وسلم لا يزال في مزيد من الذكر والقربة ودوام المراقبة ، فإذا سها عن شيء منها في بعض الأوقات ، أو نسي ، عده ذنبا على نفسه ، ففزع إلى الاستغفار ، انتهى .
( 2 ) مسلم ( 2702 / 41 ) في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، باب : استحباب الاستغفار والاستكثار منه .
( 3 ) الترمذي ( 3334 ) في التفسير ، باب : ومن سورةوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ( 1 ) قال : « حسن صحيح » ، والنسائي في الكبرى ( 11658 ) في التفسير ، باب :كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ( 14 ) .