وتأمل تنكير القلب وتعريف الأقفال ، فإن تنكير القلوب يتضمن إرادة قلوب هؤلاء وقلوب من هم بهذه الصفة ، ولو قال : أم على القلوب أقفالها ، لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة .
وفي قوله :
أَقْفالُها
بالتعريف : نوع تأكيد ، فإنه لو قال : « أقفال » لذهب الوهم إلى ما يعرف بهذا الاسم فلما أضافها إلى القلوب علم أن المراد بها ما هو للقلب منزلة القفل للباب ، فكأنه أراد أقفالها المختصة بها التي لا تكون لغيرها ، واللّه أعلم .
فصل
وأما الصمم والوقر ففي قوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة : 18 ، 171 ]
وقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ
( 23 ) [ محمد ] .
وقوله :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
( 179 ) [ الأعراف ] .
وقوله :
وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
[ فصلت : 44 ] .
قال ابن عباس : في آذانهم صمم عن استماع القرآن ، وهو عليهم عمى : أعمى اللّه قلوبهم فلا يفقهون ، أولئك ينادون من مكان بعيد مثل البهيمة التي لا تفهم إلا دعاء ونداء .
وقال مجاهد : بعيد من قلوبهم .
وقال الفراء : نقول للرجل الذي لا يفهم : كذلك أنت تنادي من مكان بعيد . قال : وجاء في التفسير كأنما ينادون من السماء فلا يسمعون ، انتهى .
المعنى : أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعى من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم .
فصل
وأما البكم فقال تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ
[ البقرة 18 ، 171 ] والبكم : جمع أبكم ، وهو الذي لا ينطق . والبكم نوعان : بكم القلب ، وبكم اللسان ، كما أن النطق نطقان : نطق القلب ، ونطق اللسان ، وأشدهما بكم القلب ، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين ، وصمم الأذن ، فوصفهم سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق ، ولا تنطلق به ألسنتهم .