والعلم يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب ، من سمعه وبصره وقلبه ، وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة ، فسد السمع بالصمم ، والبصر بالعمى ، والقلب بالبكم .
ونظيره قوله تعالى :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
[ الأعراف : 179 ] .
وقد جمع - سبحانه - بين الثلاثة في قوله :
وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ
[ الأحقاف : 26 ] .
فإذا أراد اللّه - سبحانه - هداية عبد فتح قلبه وسمعه وبصره ، وإذا أراد ضلاله أصمه وأعماه وأبكمه وباللّه التوفيق .
فصل
وأما الغشاوة فهو غطاء العين كما قال تعالى :
وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
[ الجاثية : 33 ] .
وهذا الغطاء سرى إليها من غطاء القلب ، فإن ما في القلب يظهر على العين من الخير الشر ، فالعين مرآة القلب تظهر ما فيه .
وأنت إذا أبغضت رجلا بغضا شديدا ، أو أبغضت كلامه ومجالسته ، تجد على عينك غشاوة عند رؤيته ومخالطته ، فتلك أثر البغض والإعراض عنه ، وغلظت على الكفار عقوبة لهم على إعراضهم ونفورهم عن الرسول .
وجعل الغشاوة عليها يشعر بالإحاطة على ما تحته ، كالعمامة ، ولما عشوا عن ذكره الذي أنزله صار ذلك العشا غشاوة على أعينهم فلا تبصر مواقع الهدى .
فصل
وأما الصد فقال تعالى :
وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ
[ غافر : 37 ] .
قرأ أهل الكوفة على البناء للمفعول ، حملا على زين ، وقرأ الباقون ( وصدّ ) بفتح الصاد ، ويحتمل وجهين أحدهما : أعرض ، فيكون لازما ، والثاني : صد غيره ، فيكون متعديا ، والقراءتان كالآيتين لا تتناقضان « 1 » .
وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى :
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ
هامش
( 1 ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي : ( وصدّ ) بضم الصاد .
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وابن عامر : ( وصدّ ) بفتح الصاد . « السبعة في القراءات » لابن مجاهد .