تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( 9 ) [ يس ] . قال الفراء : حبسناهم عن الإنفاق في سبيل اللّه . وقال أبو عبيدة : منعناهم عن الإيمان بموانع . ولما كان الغل مانعا للمغلول من التصرف والتقلب كان الغل الذي على القلب مانعا من الإيمان . فإن قيل : فالغل المانع من الإيمان هو الذي في القلب فكيف ذكر الغل الذي في العنق ؟ قيل : لما كان عادة الغل أن يوضع في العنق ناسب ذكر محله ، والمراد به : القلب ، كقوله تعالى :
وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
[ الإسراء : 13 ] ومن هذا قولهم : إثمي في عنقك ، وهذا في عنقك . ومن هذا قوله :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ
[ الإسراء : 29 ] شبه الإمساك عن الإنفاق باليد إذا غلت إلى العنق . ومن هذا قال الفراء : إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ، حبسناهم عن الإنفاق . قال أبو إسحاق : وإنما يقال للشيء اللازم : هذا في عنق فلان ، أي : لزومه كلزوم القلادة من بين ما يلبس في العنق ، قال أبو علي : هذا مثل قولهم : طوقتك كذا وقلدتك كذا ، ومنه : قلده السلطان كذا ، أي صارت الولاية في لزومها له في موضع القلادة ومكان الطوق . قلت : ومن هذا قولهم : قلدت فلانا حكم كذا وكذا ، كأنك جعلته طوقا في عنقه . وقد سمى اللّه التكاليف الشاقة أغلالا في قوله :
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ
[ الأعراف : 157 ] ، فشبهها بالأغلال لشدتها ، وصعوبتها . قال الحسن : هي الشدائد التي كانت في العبادة كقطع أثر البول ، وقتل النفس في التوبة ، وقطع الأعضاء الخاطئة ، وتتبع العروق من اللحم . وقال ابن قتيبة : هي تحريم اللّه - سبحانه - عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وجعلها أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقض الغل اليد . وقوله :
فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ
، قالت طائفة : الضمير يعود إلى الأيدي وإن لم تذكر ، لدلالة السياق عليها ، قالوا : لأن الغل يكون في العنق فتجمع إليه اليد ، ولذلك سمي جامعة ، وعلى هذا فالمعنى : فأيديهم ، أو فأيمانهم مضمومة إلى أذقانهم هذا قول الفراء والزجاج .