والثاني : أن أعين قلوبهم في غطاء عن فهم القرآن ، وتدبره والاهتداء به ، وهذا الغطاء للقلب أولا ثم يسري منه إلى العين .
فصل
وأما الغلاف فقال تعالى :
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
[ البقرة : 88 ] ، وقد اختلف في معنى قولهم :
قُلُوبُنا غُلْفٌ
فقالت طائفة : المعنى : قلوبنا أوعية للحكمة والعلم ، فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به أو لا تحتاج إليك .
وعلى هذا فيكون غلف جمع غلاف ، والصحيح قول أكثر المفسرين : إن المعنى : قلوبنا لا تفقه ولا تفهم ما تقول ، وعلى هذا فهو جمع أغلف كأحمر وحمر .
قال أبو عبيدة : كل شيء في غلاف فهو أغلف ، كما يقال : سيف أغلف ، وقوس أغلف ، ورجل أغلف غير مختون .
قال ابن عباس وقتادة ومجاهد : على قلوبنا غشاوة ، فهي في أوعية فلا تعي ، ولا تفقه ما تقول . وهذا هو الصواب في معنى الآية لتكرر نظائره في القرآن كقولهم :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ
[ فصلت : 5 ] ، وقوله تعالى :
كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي
[ الكهف : 101 ] ، ونظائر ذلك .
وأما قول من قال : هي أوعية للحكمة فليس في اللفظ ما يدل عليه البتة ، وليس له في القرآن نظير يحمل عليه ، ولا يقال مثل هذا اللفظ في مدح الإنسان نفسه بالعلم والحكمة ، فأين وجدتم في الاستعمال قول القائل : قلبي غلاف ، وقلوب المؤمنين العالمين غلف ، أي أوعية للعلم ؟
والغلاف قد يكون وعاء للجيد والرديء ، فلا يلزم من كون القلب غلافا أن يكون داخله العلم والحكمة . وهذا ظاهر جدا ، فإن قيل : فالإضراب ب « بل » على هذا القول الذي قويتموه ما معناه ؟
وأما على القول الآخر فظاهر ، أي ليست قلوبكم محلا للعلم والحكمة ، بل مطبوع عليها .
قيل : وجه الإضراب في غاية الظهور ، وهو أنهم احتجوا بأن اللّه لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته ، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه ، فكيف تقوم به عليهم الحجة ؟ وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف ، فهم معذورون في عدم