وسمعه ، وطبع عليه ، كما يدعوه إلى الأسباب التي إذا فعلها عاقبه اللّه بالنار ، فعقابه بالنار كعقابه بالختم والطبع ، وأسباب العقاب فعله ، وتزيينها وتحسينها : فعل الشيطان ، والجميع مخلوق للّه .
وأما ما في هذا الكلام من الحق فهو أن اللّه - سبحانه - أقدر العبد على الفعل الذي أوجب الطبع والختم على قلبه ، فلو لا إقدار اللّه على ذلك لم يفعله .
وهذا حق ، لكن القدرية لم توف هذا الموضع حقه . وقالت : أقدره قدرة تصلح للضدين ، فكان فعل أحدهما باختياره ومشيئته التي لا تدخل تحت مقدور الرب ، وإن دخلت قدرته الصالحة لها تحت مقدوره سبحانه ، فمشيئته ، واختياره ، وفعله غير واقع تحت مقدور الرب . وهذا من أبطل الباطل ، فإن كل ما سواه تعالى مخلوق له داخل تحت قدرته ، واقع بمشيئته ، ولو لم يشأ لم يكن .
قالت القدرية : لما أعرضوا عن التدبر ، ولم يصغوا إلى التذكر ، وكان ذلك مقارنا لإيراد اللّه - سبحانه - حجته عليهم أضيفت أفعالهم إلى اللّه ؛ لأن حدوثها إنما اتفق عند إيراد الحجة عليهم .
قال أهل السنة : هذا من أمحل المحال ، أن يضيف الرب إلى نفسه أمرا لا يضاف إليه البتة لمقارنته ما هو من فعله .
ومن المعلوم : أن الضد يقارن الضد ، فالشر يقارن الخير ، والحق يقارن الباطل ، والصدق يقارن الكذب ، وهل يقال إن اللّه يحب الكفر والفسوق والعصيان ؛ لمقارنتها ما يحبه من الإيمان والطاعة ، وإنه يحب إبليس ؛ لمقارنة وجوده لوجود الملائكة ؟ فإن قيل : قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له ، وإن لم يكن له فيه تأثير ، كقوله تعالى :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ
( 125 ) [ التوبة ] .
ومعلوم : أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس ، بل قارن رجسهم نزولها ، فنسب إليها .
قيل : لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما ، وهما إحداث السورة الرجس ، والثاني مقارنته لنزولها ، بل هاهنا أمر ثالث ، وهو أن السورة لما أنزلت اقتضى نزولها الإيمان بها ، والتصديق ، والإذعان لأوامرها ونواهيها والعمل بما فيها .
فوطن المؤمنون أنفسهم على ذلك فازدادوا إيمانا بسببها ؛ فنسبت زيادة الإيمان إليها ؛ إذ هي السبب في زيادته .