تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
دابة ، أتبع هذا قوله : إن ربي على صراط مستقيم ، أي : لا تخفى عليه مشيئة ، ولا يعدل عنه هارب ، فذكر الصراط المستقيم وهو يعني به : الطريق الذي لا يكون لأحد مسلك إلا عليه ، كما قال :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) [ الفجر ] . قلت : فعلى هذا القول الأول يكون المراد : أنه في تصرفه في ملكه يتصرف بالعدل ، ومجازاة المحسن بإحسانه ، والمسئ بإساءته ، ولا يظلم مثقال ذرة ، ولا يعاقب أحدا بما لم يجنه ، ولا يهضمه ثواب ما عمله ، ولا يحمل عليه ذنب غيره ، ولا يأخذ أحدا بجريرة أحد ، ولا يكلف نفسا ما لا تطيقه ، فيكون من باب :
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ
[ التغابن : 1 ] . ومن باب : « ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك » « 1 » . ومن باب :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 2 ) [ الفاتحة ] ، أي : كما أنه رب العالمين المتصرف فيهم بقدرته ومشيئته ، فهو المحمود على هذا التصرف ، وله الحمد على جميعه . وعلى القول الثاني ، المراد به : التهديد والوعيد ، وأن مصير العباد إليه وطريقهم عليه لا يفوته منهم أحد ، كما قال تعالى :
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
( 41 ) [ الحجر ] . قال الفراء : يقول مرجعهم إليّ فأجازيهم ، كقوله :
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( 14 ) [ الفجر ] . قال : وهذا كما تقول في الكلام : طريقك عليّ ، وأنا على طريقك ، لمن أوعدته . وكذلك قال الكلبي والكسائي ، ومثل قوله :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ
[ النحل : 9 ] على أحد القولين في الآية . وقال مجاهد : الحق يرجع إلى اللّه وعليه طريقة ، و « منها » أي : ومن السبيل ما هو جائر عن الحق
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ
[ النحل : 9 ] . فأخبر عن عموم مشيئته ، وأن طريق الحق عليه موصلة إليه ، فمن سلكه فإليه يصل ، ومن عدل عنها فإنه يضل عنه . والمقصود : أن هذه الآيات تتضمن عدل الرب تعالى وتوحيده ، واللّه يتصرف في خلقه بملكه ، وحمده وعدله ، وإحسانه فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله وشرعه وقدره وثوابه وعقابه ، يقول الحق ، ويفعل العدل ،
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
[ الأحزاب : 4 ] . فهذا العدل والتوحيد اللذان دل عليهما القرآن لا يتناقضان ، وأما توحيد أهل القدر والجبر ، وعدلهم فكل منهما يبطل الآخر ، ويناقضه .
هامش
( 1 ) جزء من حديث صحيح سبق تخريجه ص ( 202 ) .