قالت القدرية : لا يلزم من الطبع والختم والقفل أن تكون مانعة من الإيمان ، بل يجوز أن يجعل اللّه فيهم من غير أن يكون منعهم من الإيمان ، بل يكون ذلك من جنس الغفلة ، والبلادة ، والعشا في البصر فيورث ذلك إعراضا عن الحق وتعميا عنه ، ولو أنعم النظر ، وتفكر وتدبر لما آثر على الإيمان غيره .
وهذا الذي قالوه يجوز أن يكون في أول الأمر فإن تمكن واستحكم من القلب ورسخ فيه امتنع معه الإيمان ، ومع هذا فهو أثر فعله ، وإعراضه وغفلته وإيثار شهوته وكبره على الحق والهدى ، فلما تمكن فيه واستحكم صار صفة راسخة ، وطبعا ، وختما وقفلا ، ورينا ، فكان مبدؤه حائلا بينهم وبين الإيمان ، والإيمان ممكن معه لو شاءوا لآمنوا مع مبادئ تلك الموانع فلما استحكمت لم يبق إلى الإيمان سبيل .
ونظير هذا أن العبد يستحسن ما يهواه فيميل إليه بعض الميل ، ففي هذه الحال يمكن صرف الداعية له ؛ إذ الأسباب لم تستحكم ، فإذا استمر على ميله ، واستدعى أسبابه واستمكنت لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى ، والمحبة فيطبع على قلبه ، ويختم عليه فلا يبقى فيه محل لغير ما يهواه ويحبه ، وكان الانصراف مقدورا له في أول الأمر ، فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورا له كما قال الشاعر :
تولع بالعشق حتى عشق * فلما استقل به لم يطق
رأى لجة ظنها موجة * فلما تمكن منها غرق
فلو أنهم بادروا في مبدأ الأمر إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى لسهل عليهم ، ولما استعصى عليهم ، ولقدروا عليه .
ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة قبل استحكام أسبابها ، ولزومها للبدن لزوما لا ينفك منها ، فإذا استحكمت العلة وصارت كالجزء من البدن عز على الطبيب استنفاذ العليل منها .
ونظير ذلك المتوحل في حمأة ، فإنه ما لم يدخل تحتها فهو قادر على التخلص ، فإذا توسط معظمها عز عليه وعلى غيره إنقاذه ، فمبادئ الأمور مقدورة للعبد ، فإذا استحكمت أسبابها وتمكنت لم يبق الأمر مقدورا له .
فتأمل هذا الموضع حق التأمل فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر ، واللّه الموفق للصواب .
واللّه - سبحانه - جاعل ذلك كله ، وخالقه فيهم بأسباب منهم ، وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها ، فلا يشاء - سبحانه - أن يخلق للعبد أسباب