تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
وكذب بها الكافرون وجحدوها ، وكذبوا من جاء بها ، ووطنوا أنفسهم على مخالفة ما تضمنته وإنكاره ؛ فازدادوا بذلك رجسا فنسب إليها ؛ إذ كان نزولها ووصولها إليهم هو السبب في تلك الزيادة . فأين هذا من نسبة الأفعال القبيحة عندكم التي لا تجوز نسبتها إلى اللّه ، عند دعوتهم إلى الإيمان وتدبر آياته . على أن أفعالهم القبيحة لا تنسب إلى اللّه سبحانه ، وإنما هي منسوبة إليهم ، والمنسوب إليه سبحانه أفعاله الحسنة الجميلة المتضمنة للغايات المحمودة ، والحكم المطلوبة . والختم ، والطبع ، والقفل ، والإضلال أفعال حسنة من اللّه وضعها في أليق المواضع بها ؛ إذ لا يليق بذلك المحل الخبيث غيرها . والشرك والكفر والمعاصي والظلم أفعالهم القبيحة التي لا تنسب إلى اللّه فعلا ، وإن نسبت إليه خلقا ، فخلقها غيرها والخلق غير المخلوق ، والفعل غير المفعول ، والقضاء غير المقضي ، والقدر غير المقدور . وستمر بك هذه المسألة مستوفاة - إن شاء اللّه - في باب اجتماع الرضا بالقضاء ، وسخط الكفر والفسوق والعصيان - إن شاء اللّه . قال القدرية : لما بلغوا في الكفر إلى حيث لم يبق طريق إلى الإيمان لهم إلا بالقسر والإلجاء ، ولم تقتض حكمته - تعالى - أن يقسرهم على الإيمان ، لئلا تزول حكمة التكليف ، عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم والطبع إعلاما لهم بأنهم انتهوا في الكفر والاعتراض إلى حيث لا ينتهون عنه إلا بالقسر . وتلك الغاية في وصف لجاجهم ، وتماديهم في الكفر . قال أهل السنة : هذا كلام باطل فإنه - سبحانه - قادر على أن يخلق فيهم مشيئة الإيمان ، وإرادته ، ومحبته فيؤمنون بغير قسر ولا إلجاء ، بل إيمان اختيار وطاعة ، كما قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
[ يونس : 99 ] . وإيمان القسر والإلجاء لا يسمى إيمانا ، ولهذا يؤمن الناس كلهم يوم القيامة ، ولا يسمى ذلك إيمانا ؛ لأنه عن إلجاء واضطرار ، قال تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[ السجدة : 13 ] . وما يحصل للنفوس من المعرفة والتصديق بطريق الإلجاء والاضطرار والقسر لا يسمى هدى ، وكذلك قوله :
أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً
[ الرعد : 31 ] .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 280 | ابن قيم الجوزية