وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على عماهم في الدنيا ، لكن أسباب هذه الجرائم في الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة باختيارهم ، وإرادتهم وفعلهم ، فإذا وقعت عقوبات لهم تكن مقدورة ، بل قضاء جار ماض عدل فيهم . وقال تعالى :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 ) [ الإسراء ] .
ومن هاهنا ينفتح للعبد باب واسع عظيم النفع جدا ، في قضاء اللّه المعصية والكفر والفسوق على العبد ، وأن ذلك محض عدل فيه .
وليس المراد بالعدل ما يقوله الجبرية : إنه الممكن ، فكل ما يمكن فعله بالعبد فهو عندهم عدل ، والظلم هو الممتنع لذاته ، فهؤلاء قد سدوا على أنفسهم باب الكلام في الأسباب والحكم .
ولا المراد به ما يقوله القدرية النفاة : إنه إنكار عموم قدرة اللّه ومشيئته على أفعال عباده ، وهدايتهم وإضلالهم ، وعموم مشيئته لذلك ، وإن الأمر إليهم لا إليه .
وتأمل قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك » « 1 » ، كيف ذكر العدل في القضاء مع الحكم النافذ ، وفي ذلك رد لقول الطائفتين القدرية والجبرية ، فإن العدل الذي أثبتته الجبرية مناف للحكمة والرحمة ، ولحقيقة العدل .
والعدل الذي هو اسمه وصفته ونعته - سبحانه - خارج عن هذا وهذا ، ولم يعرفه إلا الرسل وأتباعهم . ولهذا قال هود - عليه الصلاة والسلام - لقومه
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 56 ) [ هود ] .
فأخبر عن عموم قدرته ، ونفوذ مشيئته ، وتصرفه في خلقه كيف شاء ، ثم أخبر أنه في هذا التصرف والحكم على صراط مستقيم .
وقال أبو إسحاق : أي : هو سبحانه ، وإن كانت قدرته تنالهم بما شاء ؛ فإنه لا يشاء إلا العدل .
وقال ابن الأنباري ، لما قال :
هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
، كان في معنى : لا يخرج من قبضته ، وأنه قاهر بعظيم سلطانه لكل دابة فأتبعه قوله :
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
.
قال : وهذا نحو كلام العرب إذا وصفوا بحسن السيرة والعدل والإنصاف ؛ قالوا : فلان على طريقة حسنة ، وليس ثم طريق ، ثم ذكر وجها آخر فقال : لما ذكر أن سلطانه قد قهر كل
هامش
( 1 ) رواه الإمام أحمد ( 1 / 391 ) ، وقال الهيثمي في المجمع ( 10 / 139 ) : « رجال أحمد الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان » ، وصحّح إسناده الشيخ أحمد شاكر ( 3712 ) .