تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨

فصل

ومن سلك من القدرية هذه الطريق فقد توسط بين الطائفتين ، لكنه يلزمه الرجوع إلى مثبتي القدر قطعا ، وإلا تناقض أبين تناقض . فإنه زعم أن الضلال ، والطبع ، والختم ، والقفل ، والوقر ، وما يحول بين العبد وبين الإيمان مخلوق للّه ، وهو واقع بقدرته ومشيئته ، فقد أعطى : أن أفعال العباد مخلوقة ، وأنها واقعة بمشيئته ، فلا فرق بين الفعل الابتدائي والفعل الجزائي إن كان هذا مقدورا للّه واقعا بمشيئته ، والآخر كذلك ، وإن لم يكن ذلك مقدورا ولا يصح دخوله تحت المشيئة ، فهذا كذلك . والتفريق بين النوعين تناقض محض . وقد حكى هذا الفريق عن بعض القدرية : أبو القاسم الأنصاري في « شرحه الإرشاد » ، فقال : ولقد اعترف بعض القدرية بأن الختم والطبع توابع غير أنها عقوبات من اللّه لأصحاب الجرائم ، قال : وممن صار إلى هذا المذهب عبد الواحد بن زيد البصري ، وبكر ابن أخته ، قال : وسبيل المعاقبين بذلك سبيل المعاقبين بالنار ، وهؤلاء قد بقي عليهم درجة واحدة ، وقد تحيزوا إلى أهل السنة والحديث .

فصل

وقالت طائفة منهم : الكافر هو الذي طبع على قلبه بنفسه في الحقيقة وختم على قلبه ، والشيطان أيضا فعل ذلك ، ولكن لما كان اللّه - سبحانه - هو الذي أقدر العبد والشيطان على ذلك نسب الفعل إليه ؛ لإقداره للفاعل على ذلك لا لأنه هو الذي فعله . قال أهل السنة والعدل : هذا الكلام فيه حق وباطل ، فلا يقبل مطلقا ولا يرد مطلقا . فقولكم : إن اللّه - سبحانه - أقدر الكافر والشيطان على الطبع ، والختم كلام باطل ، فإنه لم يقدر إلا على التزيين والوسوسة ، والدعوة إلى الكفر ، ولم يقدره على خلق ذلك في قلب العبد البتة ، وهو أقل من ذلك وأعجز . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « بعثت داعيا ومبلغا ؛ وليس إليّ من الهداية شيء ، وخلق إبليس مزينا ، وليس إليه من الضلالة شيء » « 1 » . فمقدور الشيطان أن يدعو العبد إلى فعل الأسباب التي إذا فعلها ختم اللّه على قلبه
هامش
( 1 ) انظر الضعفاء الكبير للعقيلي ( 2 / 9 ) ، وضعفه الألباني في الضعيف الجامع ( 2338 ) .