فقولكم لم يبق طريق إلى الإيمان إلا بالقسر باطل ، فإنه بقي إلى إيمانهم طريق لم يرهم اللّه إياه ، وهو مشيئته وتوفيقه وإلهامه ، وإمالة قلوبهم إلى الهدى ، وإقامتها على الصراط المستقيم . ذلك أمر لا يعجز عنه رب كل شيء ومليكه ، بل هو القادر عليه ، كقدرته على خلقه ذواتهم وصفاتهم وذرياتهم ، ولكن منعهم ذلك ؛ لحكمته وعدله فيهم ، وعدم استحقاقهم وأهليتهم لبذل ذلك لهم ، كما منع السفيل خصائص العلو ، ومنع الحار خصائص البارد ، ومنع الخبيث خصائص الطيب .
ولا يقال فلم يليق فعل هذا ؟ فإن ذلك من لوازم ملكه ، وربوبيته ، ومن مقتضيات أسمائه وصفاته ، وهل يليق بحكمته أن يسوي بين الطيب والخبيث ، والحسن والقبيح ، والجيد والرديء ؟
ومن لوازم الربوبية خلق الزوجين ، وتنويع المخلوقات وأخلاقها .
فقول القائل لم خلق الرديء والخبيث واللئيم ؟ سؤال جاهل بأسمائه وصفاته ، وملكه وربوبيته .
وهو سبحانه فرق بين خلقه أعظم تفريق ، وذلك من كمال قدرته ، وربوبيته ، فجعل منه ما يقبل جميع الكمال الممكن ، ومنه ما لا يقبل شيئا منه ، وبين ذلك درجات متفاوتة لا يحصيها إلا الخلّاق العليم . وهدى كل نفس إلى حصول ما هي قابلة له ، والقابل والمقبول كله مفعوله ومخلوقه ، وأثر فعله وخلقه . وهذا هو الذي ذهب عن الجبرية والقدرية ، ولم يهتدوا إليه ، وباللّه التوفيق .
قالت القدرية : الختم الطبع هو شهادته سبحانه عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وعلى أسماعهم ، وعلى قلوبهم .
قال أهل السنة : هذا هو قولكم : بأن الختم والطبع هو الإخبار عنهم ذلك ، وقد تقدم فساد هذا بما فيه كفاية ، وأنه لا يقال في لغة من لغات الأمم لمن أخبر عن غيره بأنه مطبوع على قلبه ، وإن عليه ختما ، وإنه قد طبع على قلبه وختم عليه ، بل هذا كذب على اللغات ، وعلى القرآن .
وكذلك قول من قال إن ختمه على قلوبهم اطلاعه على ما فيها من الكفر .
وكذلك قول من قال إنه إحصاؤه عليهم حتى يجازيهم به ، وقول من قال : إنه إعلامها بعلامة تعرفها بها الملائكة ، وقد بينا بطلان ذلك بما فيه كفاية « 1 » .
هامش
( 1 ) سبق ذلك في فصل تحميل اللفظ ما لا يحتمل ( 213 ) . .