تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
قالت القدرية : لا يجوز حمل هذه الآيات على أنه منعهم من الإيمان ، وحال بينهم وبينه ، إذ يكون لهم الحجة على اللّه ، ويقولون كيف يأمرنا بأمر ، ثم يحول بيننا وبينه ، ويعاقبنا عليه ، وقد منعنا من فعله ؟ وكيف يكلفنا بأمر لا قدرة لنا عليه ؟ وهل هذا إلا بمثابة من أمر عبده بالدخول من باب ثم سد عليه الباب سدا محكما لا يمكنه الدخول معه البتة ثم عاقبه أشد العقوبة على عدم الدخول ؟ ، وبمنزلة من أمره بالمشي إلى مكان ثم قيده بقيد لا يمكنه معه نقل قدمه ، ثم أخذ يعاقبه على ترك المشي ؟ وإذا كان هذا قبيحا في حق المخلوق الفقير المحتاج ، فكيف ينسب إلى الرب تعالى مع كمال غناه ، وعلمه ، وإحسانه ، ورحمته ؟ قالوا : وقد كذّب اللّه - سبحانه - الذين قالوا قلوبنا غلف ، وفي أكنة ، وإنها قد طبع عليها ، وذمهم على هذا القول فكيف ينسب إليه تعالى ؟ ولكن القوم لما أعرضوا ، وتركوا الاهتداء بهداه الذي بعث به رسله حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالإلف ، والطبيعة ، والسجية أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه ، وصار هذا وقرا في آذانهم ، وختما على قلوبهم ، وغشاوة على أعينهم ، فلا يخلص إليها الهدى . وإنما أضاف اللّه تعالى ذلك إليه ؛ لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها ، وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها العبد . قالوا : ولهذا قال تعالى :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) [ المطففين ] . وقال :
بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ
[ النساء : 155 ] وقال :
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
[ الصف : 5 ] . وقال :
فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ
( 77 ) [ التوبة ] . ولعمر اللّه إن الذي قاله هؤلاء ، حقه أكثر من باطله وصحيحه أكثر من سقيمه ، ولكن لم يوفوه حقه ؛ وعظموا اللّه من جهة ، وأخلوا بتعظيمه من جهة ؛ فعظموه بتنزيهه عن الظلم ؛ وخلاف الحكمة ، وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد ، وكمال القدرة ونفوذ المشيئة . والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران ، والطبع ، والختم من وجه ، وبطلانه من وجه . وأما صحته فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة لهم ، وجزاء على كفرهم وإعراضهم عن الحق بعد