تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وكما حمل قوله تعالى :
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
[ البقرة : 230 ] على مسألة التحليل ، وجعل التيس المستعار الملعون على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، داخلا في اسم الزوج ، وهذا في التجارة يقابل الأول في التقصير . ولهذا كان معرفة حدود ما أنزل اللّه على رسوله أصل العلم ، وقاعدته وآخيته ، التي يرجع إليها ، فلا تخرج شيئا من معاني ألفاظه عنها ، ولا يدخل فيها ما ليس منها ، بل يعطيها حقها ويفهم المراد منها . ومن هذا لفظ الأيمان والحلف ، أخرجت طائفة منه الأيمان الالتزامية التي يلتزم صاحبها بها إيجاب شيء أو تحريمه ، وأدخلت طائفة فيها التعليق المحض الذي لا يقتضي حضا ولا منعا ، الأول : نقص من المعاني ، والثاني : تحميل له فوق معناه . ومن ذلك لفظ الربا أدخلت فيه طائفة ما لا دليل على تناول اسم الربا كبيع الشيرج بالسمسم ، والدبس بالعنب ، والزيت بالزيتون ، وكل ما استخرج من ربوي ، وعمل منه بأصله ، وإن خرج عن اسمه ، ومقصوده وحقيقته . وهذا لا دليل عليه يوجب المصير إليه ، لا من كتاب ، ولا من سنة ، ولا إجماع ، ولا ميزان صحيح . وأدخلت فيه مسائل : مد عجوة ما هو أبعد شيء عن الربا ، وأخرجت طائفة أخرى منه ما هو من الربا الصحيح حقيقة قصدا وشرعا كالحيل الربوية التي هي أعظم مفسدة من الربا الصريح ، ومفسدة الربا البحت التي لا يتوصل إليه بالسلاليم أقل بكثير ، وأخرجت منه طائفة بيع الرطب بالتمر ، وإن كان كونه من الربا أخفى من كون الحيل الربوية منه ، فإن التماثل موجود فيه في الحال دون المال ، وحقيقة الربا في الحيل الربوية أكمل ، وأتم منها في العقد الربوي الذي لا حيلة فيه . ومن ذلك لفظ البينة قصرت بها طائفة . فأخرجت منه الشاهد واليمين وشهادة العبيد العدول الصادقين المقبولي القول على اللّه ورسوله ، وشهادة النساء منفردات في المواضع التي لا يحضرهن فيه الرجال كالأعراس والحمامات . وشهادة الزوج في اللعان إذا نكلت المرأة ، وأيمان المدعين الدم إذا ظهر اللوث ، ونحو ذلك مما يبين الحق أعظم من بيان الشاهدين . وشهادة القاذف ، وشهادة الأعمى على ما يتيقنه ، وشهادة أهل الذمة على الوصية في السفر إذا لم يكن هناك مسلم ، وشهادة الحال في تداعي الزوجين متاع البيت ، وتداعي النجار والخياط آلتهما ونحو ذلك . وأدخلت فيه طائفة ما ليس منه كشهادة مجهول الحال الذي لا يعرف بعدالة ، ولا فسق ،
البدائع في علوم القرآن — صفحة 271 | ابن قيم الجوزية