تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
ولم نقل نحن ولا أحد من العقلاء : إن كل لفظ فهو مفيد لليقين بالمراد منه بمجرد من غير احتياج إلى لفظ آخر ، متصل به ، أو منفصل عنه ، بل نقول : إن مراد المتكلم يعلم من لفظه المجرد تارة ، والمقرون تارة ومنه ومن لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده تارة ومنه ومن بيان آخر بالفعل أو القول يحيل المتكلم عليه تارة ، وليس في القرآن خطاب أريد منه العلم بمدلوله إلا وهو داخل في هذه الأقسام « 1 » .

خطأ تحميل اللفظ فوق ما يحتمله

العلم بمراد المتكلم يعرف تارة : من عموم لفظه ، وتارة من عموم علته ، والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتقدير . وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم ، فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها عن عمومها وهضمها تارة ، وتحميلها فوق ما أريد بها تارة ، ويعرض لأرباب المعاني فيها نظير ما يعرض لأرباب الألفاظ . فهذه أربع آفات هي منشأ غلط الفريقين ، ونحن نذكر بعض الأمثلة لذلك ليعتبر به غيره ، فتقول : قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 90 ) [ المائدة ] ، فلفظ الخمر عام في كل مسكر ، فإخراج بعض الأشربة المسكرة عن شمول اسم الخمر لها تقصير به ، وهضم لعمومه ، بل الحق ما قاله صاحب الشرع : « كل مسكر خمر » . وإخراج بعض أنواع الميسر عن شمول اسمها لها تقصير أيضا به ، وهضم لمعناه ، فما الذي جعل النرد الخالي عن العوض من الميسر ، وأخرج الشطرنج عنه مع أنه من أظهر أنواع الميسر ، كما قال غير واحد من السلف : إنه ميسر ، وقال علي كرم اللّه وجهه : هو ميسر العجم . وأما تحميل اللفظ فوق ما يحتمله ، فكما حمل لفظ قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ
[ النساء : 29 ] وقوله في آية البقرة
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ
[ البقرة : 282 ] مسألة العينة « 2 » التي هي ربا بحيلة وجعلها من التجارة ، ولعمر اللّه إن الربا الصريح تجارة للمرابي ، وأي تجارة .
هامش
( 1 ) الصواعق المرسلة ( 2 / 753 - 754 ) . ( 2 ) هي أن يشتري من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ، ثم يبيعها له بأقل من الثمن الذي اشتراها به .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 270 | ابن قيم الجوزية