الحكم لا تقدم الجزاء وتأخره ، فإنه لا تأثير له بحال كما ذكره ابن السراج : أنه إنما يأتي في الضرورة ، ليس كما قال - فقد جاء في أفصح الكلام وهو كثير جدا ، كقوله تعالى :
وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[ البقرة : 172 ] وقوله :
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ
( 118 ) [ الأنعام : 118 ] وقوله :
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
( 118 ) [ آل عمران ] وهو كثير ، فالصواب المذهب الكوفي ، والتقدير إنما يصار إليه عند الضرورة ، بحيث لا يتم الكلام إلا به ، فإذا كان الكلام تاما بدونه فأي حاجة بنا إلى التقدير ؟ وأيضا ، فتقديم الجزاء ليس بدون تقديم الخبر والمفعول والحال ونظائرها .
فإن قيل : الشرط له التصدير وصفا ، فتقديم الجزاء عليه يخل بتصديره ، قلنا هذه هي الشبهة التي منعت القائلين بعدم تقديمه .
وجوابها : إنكم إن عنيتم بالتصدير أنه لا يتقدم معموله عليه ، والجزاء معمول له فيمتنع تقديمه فهو نفس المتنازع فيه ، فلا يجوز إثبات الشيء بنفسه ، وإن عنيتم به أمرا آخر لم يلزم منه امتناع التقديم ، ثم نقول : الشرط والجزاء جملتان قد صارتا بأداة الشرط جملة واحدة ، وصارت الجملتان بالأداة كأنهما مفردان فأشبها الفردين في باب الابتداء والخبر ، فكما لا يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ فكذلك تقديم الجزاء ، وأيضا فالجزاء هو المقصود والشرط قيد فيه وتابع له ، فهو من هذا الوجه رتبته التقديم طبعا ، ولهذا كثيرا ما يجيء الشرط متأخرا عن المشروط ؛ لأن المشروط هو المقصود وهو الغاية ، والشرط وسيلة ، فتقديم المشروط هو تقديم الغايات على وسائلها ورتبتها التقديم ذهنا وإن تقدمت الوسيلة وجودا ، فكل منهما له التقدم بوجه ، وتقدم الغاية أقوى ، فإذا وقعت في مرتبتها فأي حاجة إلى أن نقدرها متأخرة ؟ وإذا انكشف الصواب فالصواب أن تدور معه حيثما دار .
المسألة السابعة : « لو » يؤتى بها للربط لتعلق ماض بماض ، كقولك : لو زرتني لأكرمتك ؛ ولهذا لم تجزم إذا دخلت على مضارع ، لأن الموضع للماضي لفظا ومعنى ، كقولك : لو يزورني زيد لأكرمته فهي في الشرط نظير « إن » في الربط بين الجملتين لا في العمل ولا في الاستقبال ، وكان بعض فضلاء المتأخرين وهو تاج الدين الكندي ينكر أن تكون « لو » حرف شرط ، وغلّط الزمخشري في عدها في أدوات الشرط . قال الأندلسي في « شرح المفصل » : فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء ، فقال : غلط تاج الدين في هذا التغليظ ، فإن « لو » تربط شيئا بشيء كما تفعل إن .
قلت : ولعل النزاع لفظي ، فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي ، فالصواب ما قاله