تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
الأوهام أن الشجر كلها إذا صارت أقلاما ، والبحار المذكورة كلها تكتب به الكلمات الإلهية ، فلعل الوهم يقول : ما يكتب بهذا شيء إلا نفد كائنا ما كان ، فقطع اللّه تعالى هذا الربط ، ونفى هذا الوهم ، وقال : ما نفدت . قلت : ونظير هذا في الحديث أن زوجته لما توهمت أن ابنة عمه حمزة تحل له ، لكونها بنت عمه ، فقطع هذا الربط بقوله : إنها لا تحل ، وذكر للتحريم سببين : الرضاعة ، وكونها ربيبة له . وهذا جواب القرافي ، قال : وهو أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين ، أحدهما : شموله للحديث والآية وبعض الأجوبة لا تنطبق على الآية . والثاني : أن ورود « لو » بمعنى « إن » خلاف الظاهر ، وما ذكره لا يتضمن خلاف الظاهر . قلت : وهذا الجواب فيه ما فيه ، فإنه إن ادعى أن « لو » وضعت أو جيء بها لقطع الربط فغلط ، فإنها حرف من حروف الشرط التي مضمونها ربط السبب بمسببه والملزوم بلازمه ، ولم يؤت بها لقطع هذا الارتباط ، ولا وضعت له أصلا فلا يفسر الحرف بضد موضوعه . ونظير هذا قول من يقول : إن « إلا » قد تكون بمعنى الواو ، وهذا فاسد ، فإن الواو للتشريك والجمع ، و « إلا » للإخراج وقطع التشريك ، ونظائر ذلك . وإن أراد أن قطع الربط الموهم مقصود للمتكلم من أدلة ، فهذا حق ، ولكن لم ينشأ هذا من حرف « لو » ، وإنما جاء من خصوصية ما صحبها من الكلام المتضمن لنفي ما توهمه القائل أو ادعاه ، ولم يأت من قبل « لو » فهذا كلام هؤلاء الفضلاء في هذه المسألة ، وإنما جاء الإشكال سؤالا وجوابا من عدم الإحاطة بمعنى الحرف ومقتضاه وحقيقته ، وأنا أذكر حقيقة هذا الحرف ليتبين سر المسألة بعون اللّه . فاعلم أن « لو » حرف وضع للملازمة بين أمرين يدل على أن الحرف الأول منهما ملزوم ، والثاني لازم هذا وضع هذا الحرف وطبيعته وموارده في هذه الملازمة أربعة ، فإنه ما أن يلازم بين نفيين أو ثبوتين ، أو بين ملزوم مثبت ولازم منفي أو عكسه ونعني بالثبوت والنفي هنا الصوري اللفظي لا المعنوي . فمثال الأول :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
[ الإسراء : 100 ]
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
( 64 ) [ النساء : 64 ]
وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً
[ النساء ] ونظائره . ومثال الثاني : لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي ، ولو لم يخف اللّه لم يعصه .