ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من اللّه وفهم يؤتيه عبدا في كتابه .
فإذا قلت : فما تصنع بقوله تعالى :
إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ
[ النساء : 176 ] ، والهلاك محقق ؟ قلت : التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد .
فإن قلت : فما تصنع بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
( 172 ) [ البقرة : 172 ] وقوله :
فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ
( 118 ) [ الأنعام ] وتقول العرب : إن كنت ابني فأطعني . وفي الحديث في السلام على الموتى : « وإنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » « 1 » واللحاق محقق وفي قول الموصي : إن مت فثلث مالي صدقة .
قلت : أما قوله
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
، الذي حسن مجيء « إن » هاهنا الاحتجاج والإلزام ، فإن المعنى : إن عبادتكم للّه تستلزم شكركم له ، بل هي الشكر نفسه ، فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها ، فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه ، وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج كما تقول للرجل : إن كان اللّه ربك وخالقك فلا تعصه . وإن كان لقاء اللّه حقا فتأهب له . وإن كانت الجنة حقا فتزود إليها . وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن « إن » هنا قامت مقام « إذا » ، وكذا قوله :
إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ
وكذا قولهم : إن كنت ابني فأطعني ، ونظائر ذلك .
وأما قوله : « إنا إن شاء اللّه بكم لاحقون » فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت ، وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا . وأما قول الموصي : إن مت فثلث مالي صدقة ؛ فلأن الموت وإن كان محققا ، لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة ، نزل منزلة المشكوك ، كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد . فإن عاقلا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدا ، كما قال بعض السلف : ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت .
وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني :
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
( 16 ) [ المؤمنون ] فأكد الموت باللام ، وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت ، وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده .
هامش
( 1 ) مسلم ( 974 / 102 ) في الجنائز ، باب : ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها .