شاء اللّه ، فوصل ، لم يعتق ، ولو وقف ثم قال : إن شاء اللّه ، فإنه يعتق .
فإذا سمعت ما قلنا عرفت خلاف المسألة ، فالمشهور من مذهب البصريين امتناع تقديم الجزاء على الشرط ، هذا كلامه .
قلت : ولم يكن به حاجة في تقرير الدليل إلى الوقف بين الجملة الأولى وجملة الشرط ، فالدلالة قائمة ولو وصل ، فإنه إذا قال : أنت حر ، فهذه جملة خبرية ترتب عليها حكمها عند تمامها ، وقوله : إن شاء اللّه ، ليس تعليقا لها عندكم ، فإن التعليق إنما يعمل في الجزاء ، وهذه ليست بجزاء ، وإنما هي خبر محض والجزاء عندكم محذوف . فلما قالوا : إنه لا يعتق ، دل على أن المتقدم نفسه جزاء معلق .
هذا تقرير الدلالة ولكن ليس هذا باتفاق ، فقد ذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أن الشرط إنما يعمل في تعليق الحكم إذا تقدم على الطلاق ، فتقول : إن شاء اللّه فأنت طالق .
فأما إن تقدم الطلاق ثم عقبه بالتعليق فقال : أنت طالق إن شاء اللّه ، طلقت ولا ينفع التعليق ، وعلى هذا فلا يبقى فيما ذكر حجة . ولكن هذا المذهب شاذ والأكثرون على خلافه ، وهو الصواب ، لأنه إما جزاء لفظا ومعنى قد اقتضاه التعليق على قول الكوفيين ، إما أن يكون جزاء في المعنى ، وهو نائب الجزاء المحذوف ودل عليه ، فالحكم تعلق به على التقديرين ، والمتكلم إنما بنى كلامه عليه .
وأما قول ابن السراج : إنه قصد الخبر جزما ، ثم عقبه بالجزاء . فليس كذلك بل بنى كلامه على الشرط كما لو قال له : عليّ عشرة إلا درهما . فإنه لم يقر بالعشرة ثم أنكر درهما . ولو كان كذلك لم ينفعه الاستثناء . ومن هنا قال بعض الفقهاء : إن الاستثناء لا ينفع في الطلاق ؛ لأنه إذا قال : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ، فقد أوقع الثلاثة ثم رفع منها واحدة .
وهذا مذهب باطل ؛ فإن الكلام مبني على آخره مرتبط أجزاؤه بعضها ببعض ، كارتباط التوابع من الصفات وغيرها بمتبوعاتها ، والاستثناء لا يستقل بنفسه فلا يقبل إلا بارتباطه بما قبله ، فجرى مجرى الصفة والعطف .
ويلزم أصحاب هذا المذهب ألا ينفع الاستثناء في الإقرار ؛ لأن المقر به لا يرفع ثبوته ، وفي إجماعهم على صحته دليل على إبطال هذا المذهب ، وإنما احتاج الجرجاني إلى ذكر الفرق بين أن يقف أو يصل ؛ لأنه إذا وقف عتق العبد ولم ينفعه الاستثناء وإذا وصل لم يعتق ، فدل على أن الفرق بين وقوع العتق وعدمه هو السكوت ، والوصل هو المؤثر في
البدائع في علوم القرآن — صفحة 252
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٥٢