تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
لاتحاد السبب في حقهم . فأخبر عمر أن صهيبا اجتمع له سببان يمنعانه المعصية الخوف والإجلال فلو انتفى الخوف في حقه ، لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال . وهذا مدح عظيم له . قلت : وبهذا الجواب بعينه يجاب عن قوله صلى اللّه عليه وسلم في ابنة حمزة : « إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لها ابنة أخي من الرضاعة » « 1 » ، أي فيها سببان يقتضيان التحريم فلو قدر انتفاء أحدهما لم ينتف التحريم للسبب الثاني ، وهذا جواب حسن جدا . الجواب الرابع : ذكره بعضهم بأن قال : جواب « لو » محذوف ، وتقديره لو لم يخف اللّه لعصمه فلم يعصه بإجلاله ومحبته إياه ، فإن اللّه يعصم عبده بالخوف تارة والمحبة والإجلال تارة ، وعصمة الإجلال والمحبة أعظم من عصمة الخوف ، لأن الخوف يتعلق بعقابه والمحبة والإجلال يتعلقان بذاته وما يستحقه تبارك وتعالى « 2 » ، فأين أحدهما من الآخر . ولهذا كان دين الحب أثبت وأرسخ من دين الخوف ، وأمكن وأعظم تأثيرا وشاهد ما نراه من طاعة المحب لمحبوبه ، وطاعة الخائف لمن يخافه ، كما قال بعض الصحابة : إنه ليستخرج حبه مني من الطاعة ما لا يستخرجه الخوف ، وليس هذا موضع بسط هذا الشأن العظيم القدر وقد بسطته في كتاب « الفتوحات القدسية » . الجواب الخامس : أن « لو » أصلها أن تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم ، ثم أنها قد تستعمل لقطع الربط فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه ربط ، فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك الربط ، كما لو قال القائل : إن لم يكن زيد زوجا لم يرث . فتقول أنت : لو لم يكن زوجا لورث زيد . إن ما ذكره من الربط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق فمقصودك قطع ربط كلامه لا ربطه ، وتقول : لو لم يكن عالما لأكرم ، أي لشجاعته جوابا لسؤال سائل يتوهم أنه لو لم يكن عالما لما أكرم ، فتربط بين عدم العلم والإكرام ، فتقطع أنت ذلك الربط وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام ؛ لأن ذلك ليس بمناسب ولا من أغراض العقلاء ، ولا يتجه كلامك إلا على عدم الربط ، كذلك الحديث لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عصيانهم بعدم خوفهم ، وإن ذلك في الأوهام قطع عمر هذا الربط ، وقال : لو لم يخف اللّه لم يعصه ، وكذلك لما كان الغالب على
هامش
( 1 ) البخاري ( 5101 ) في النكاح ، باب :وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ، ومسلم ( 1449 / 15 ) في الرضاع ، باب : تحريم الربيبة وأخت المرأة . ( 2 ) كذا الأصل ، ولعل في الكلام حذفا تقديره : لذاته أعظم مما يستحقه بعقابه ( من هامش المطبوعة ) .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 255 | ابن قيم الجوزية