تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وكذلك يحسن من الواحد منا أن يقول : إن كان زيد في الدار فأكرمه مع علمه بأنه في الدار ، لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه فهذا هو الضابط لما تعلق على « إن » فاندفع الإشكال . قلت : هذا السؤال لا يرد ، فإن الذي قاله القوم أن الواقع ولا بد لا يعلق ب « إن » وأما ما يجوز أن يقع ويجوز ألا يقع ، فهو الذي يعلق بها وإن كان بعد وقوعه متعين الوقوع . وإذا عرفت هذا فتدبر قوله تعالى :
وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ
[ الشورى : 48 ] كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة إصابتها من اللّه تعالى ، « بإذا » وأتى في إصابة السيئة « بأن » ، فإن ما يعفو اللّه عنه أكثر ، وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الدال على تحقيق الوقوع ، وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ولا بد ، وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم ، وأنها مذوقة لهم والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها ، وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافا إليه ، فقال :
مِنَّا رَحْمَةً
[ الشورى : 48 ] وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم ؟ وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف « إن » دون الجملة الثانية . وأسرار القرآن كثر وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر . وتأمل قوله تعالى :
وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 67 ] ، كيف أتى بإذا هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا ؛ بخلاف قوله :
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ
( 49 ) « 1 » [ فصلت ] ، فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه ، ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة « إذا » . وتأمل قوله تعالى :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً
( 83 ) [ الإسراء ] ، كيف أتى هنا بإذا المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس ، فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له ، فكان الإتيان بإذا هاهنا أدل على المعنى المقصود من « إن » ، بخلاف قوله :
وَإِذا
« 2 »
مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ
، فإنه بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء ، فإذا تحقق وقوعه كان يئوسا .
هامش
( 1 ) في المطبوعة « وإن مسه الشر فذو دعاء عريض » . ( 2 ) في المطبوعة « وإن » .