وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال : جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل : هل كان كذا ؟ ولا يتضمن لنفي قول من قال : قد كان كذا ، فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصوده ومضمنه جواب سائل : هل وقع كذا ؟ أو رد قوله : قد وقع كذا ؟ فإذا علق الجواب هنا على شرط ، لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى ، بل لا يصح فيه الاستقبال بحال ، كمن يقول لرجل : هل أعتقت عبدك ؟ فيقول :
إن كنت قد أعتقته ، فقد أعتقه اللّه ، فما للاستقبال هنا معنى قط . وكذلك إذا قلته لمن قال :
صحبت فلانا ؟ فيقول : إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا . وكذلك إذا قلت له : هل أذنبت ؟ فيقول : إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى اللّه واستغفرته ، وكذلك إذا قال : هل قلت لفلان كذا ؟ وهو يعلم أنه علم بقوله له ، فيقول : إن كنت قلته فقد علمته . فقد عرفت أن هذه المواضع كلها ، مواضع ماض لفظا ومعنى ، ليطابق السؤال الجواب ، ويصح التعليق الخبري لا الوعدي ، فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال ، وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه .
ومن هذا الباب قوله تعالى :
إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ * وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 27 ) [ يوسف ] ، وتقول : إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت . وهذه دقيقة خلت عنها كتب النحاة والفضلاء ، وهي كما ترى وضوحا وبرهانا ، وللّه الحمد .
المسألة الثالثة : المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة « إن » لا يعلق عليها إلا محتمل الوجود والعدم ، كقولك : إن تأتني أكرمك . ولا يعلق عليها محقق الوجود ، فلا نقول : إن طلعت الشمس أتيتك . بل تقول : إذا طلعت الشمس أتيتك . و « إذا » يعلق عليها النوعان ، واستشكل هذا بعض الأصوليين فقال : قد وردت « إن » في القرآن في معلوم الوقوع قطعا ، كقوله :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
[ البقرة : 23 ] ، وهو - سبحانه - يعلم أن الكفار في ريب منه . وقوله :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ
[ البقرة : 24 ] ، ومعلوم قطعا انتفاء فعلهم .
وأجاب عن هذا بأن قال : إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية ، بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق . واللّه تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وعلى منوالهم ، فكل ما كان في عادة العرب حسنا أنزل القرآن على ذلك الوجه ، أو قبيحا لم ينزل في القرآن ، فكل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس حسن تعليقه ب « إن » من قبل اللّه ومن قبل غيره ، سواء كان معلوما للمتكلم أو للسامع أم لا .