المستقبل ، وتنزيلها المنتظر منزلة الواقع المتيقن ، نحوى
أَتى أَمْرُ اللَّهِ
[ النحل : 1 ]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ
[ الزمر : 68 ] ونظائره ، فإذا تقرر ذلك في الفعل المجرد ، فليفهم مثله المقارن لأداة الشرط . وأيضا فإن تغيير الألفاظ أسهل عليهم من تغيير المعاني ؛ لأنهم يتلاعبون بالألفاظ مع محافظتهم على المعنى . وأيضا فإنهم إذا أعربوا الشرط أتوا بأداته ، ثم أتبعوها فعله يتلوه الجزاء ، فإذا أتوا بالأداة جاءوا بعدها بالفعل ، وكان حقه أن يكون مستقبلا لفظا ومعنى ، فعدلوا عن لفظ المستقبل إلى الماضي لما ذكرنا ، فعدلوا عن صيغة إلى صيغة . وعلى التقدير الثاني ، كأنهم وضعوا فعل الشرط والجزاء أولا ماضيين ، ثم أدخلوا عليهما الأداة فانقلبا مستقبلين ، والترتيب والقصد يأبى ذلك فتأمله .
المسألة الثانية : قال تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام :
إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
[ المائدة : 116 ] فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ ، وهو ماضي المعنى قطعا ؛ لأن المسيح إما أن يكون صدر هذا الكلام منه بعد رفعه إلى السماء ، أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة .
وعلى التقديرين : فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي . وغلط على اللّه من قال : إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه ، والتقدير : إن أكن أقول هذا ، فإنك تعلمه . وهذا تحريف للآية ؛ لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال اللّه له عن ذلك ، واللّه لم يسأله ، وهو بين أظهر قومه ولا اتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه بمئين من السنين ، فلا يجوز تحريف كلام اللّه انتصارا لقاعدة نحوية ، هدم مائة أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية .
وقال ابن السراج في « أصوله » : يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين ، تقديرهما : إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي ، يثبت أنك علمته ، وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل ، فيحسن عليه .
وهذا الجواب أيضا ضعيف جدا ، ولا ينبئ عنه اللفظ ، وليت شعري ما يصنعون بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللّه وتوبي إليه » « 1 » هل يقول عاقل : إن الشرط هنا مستقبل ؟ أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعا ، وأما الثاني فلا يخفي وجه التعسف فيه ، وأنه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي ، ولا قصد هذا المعنى ، وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام : إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة ، لم يرد إلا هذا الكلام .
هامش
( 1 ) البخاري ( 4750 ) في التفسير ، باب :وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ[ النور : 16 ] ، ومسلم ( 2770 / 56 ) في التوبة ، باب : في حديث الإفك وقبول توبة القاذف .