تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
بالخروج . فكأنه قال : شرط نفوذ هذا التعليق الخروج ، فعلى هذا لا يحنث حتى يوجد الخروج بعد اللبس ، وممن نص عليها ابن شاش في « الجواهر » . وقال أبو إسحاق في « المهذب » . وقد صور المسألة : إن كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق . ثم كلمت زيدا طلقت . وإن كلمت زيدا أولا ، ثم دخلت الدار ، لم تطلق ؛ لأنه جعل دخول الدار شرطا في كلام زيد ، فوجب تقديمه عليه ، وهكذا عكس قول المالكية . ورجح أبو المعالي قول المالكية في نهايته ، وقد وقع هذا التعليق في كتاب اللّه عز وجلّ في مواضع . أحدها : قوله حكاية عن نوح
وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ
[ هود : 34 ] وهذا ظاهر في أن الشرط الثاني شرط في الشرط الأول ، والمعنى : إن أراد اللّه أن يغويكم لم ينفعكم نصحي إن أردته ، وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ أبو إسحاق . الموضع الثاني : قوله تعالى
وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ
[ الأحزاب : 50 ] . قالوا : فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية ؛ لأن إرادة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متأخرة عن هبتها ، فإنها تجري مجرى القبول في هذا العقد ، والإيجاب هو هبتها . ونظير هذا أن يقول : إن وهب لي شيئا إن أردت قبوله أخذته ، فإرادة القبول متأخرة عن الهبة ، فلا يكون شرطا فيها . قال الأولون : يجوز أن تكون إرادة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متقدمة ، فلما فهمت المرأة منه ذلك وهبت نفسها له ، فيكون كالآية الأولى . وهذا غير صحيح ، والقصة تأباه ؛ فإن المرأة قامت وقالت : يا رسول اللّه ، إني وهبت لك نفسي . فصعد فيها النظر وصوبه ، ثم لم يتزوجها وزوجها غيره « 1 » . الموضع الثالث : قوله تعالى :
فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 87 ) [ الواقعة ] . المعنى : فلو لا ترجعونها ، أي تردون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين مملوكين إن كنتم صادقين . وهنا : الثاني شرط للأول ، والمعنى : إن كنتم صادقين في قولكم فهلا تردونها إن كنتم غير مدينين . ويدل عليه قول الشاعر ، أنشده عبد اللّه بن مالك :
هامش
( 1 ) البخاري ( 5635 ) في النكاح ، باب : السلطان ولي ، ومسلم ( 1425 / 76 ) في النكاح ، باب : الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 244 | ابن قيم الجوزية