الجنة إليهم ، ولا شيء أكمل من المنظور إليه - سبحانه - فلا حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها .
الثاني : أن هذا النعيم وهذا العطاء إنما نالوه بواسطة السمع ، فكان السمع كالوسيلة لهذا المطلوب الأعظم ، فتفضيله عليه كفضيلة الغايات على وسائلها . وأما ما ذكرتم من سعة إدراكاته وعمومها ، فيعارضه كثرة الخيانة فيها ووقوع الغلط ، فإن الصواب فيما يدركه السمع بالإضافة إلى كثرة المسموعات قليل في كثير ، ويقابل كثير مدركاته صحة مدركات البصر وعدم الخيانة ، وأن ما يراه ويشاهده لا يعرض فيه من الكذب ما يعرض فيه فيما يسمعه ، وإذا تقابلت المرتبتان بقي الترجيح بما ذكرناه .
وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - قدس اللّه روحه ونوّر ضريحه - : وفصل الخطاب أن إدراك السمع أعم وأشمل ، وإدراك البصر أتم وأكمل ، فهذا له التمام والكمال ، وذاك له العموم والشمول ، فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص به ، تم كلامه « 1 » .
وقد ورد في الحديث المشهور : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر : « هذان السمع والبصر » « 2 » . وهذا يحتمل أربعة أوجه :
أحدها : أن يكون المراد أنهما مني بمنزلة السمع والبصر .
والثاني : أن يريد أنهما من دين الإسلام بمنزلة السمع والبصر من الإنسان ، فيكون الرسول صلى اللّه عليه وسلم بمنزلة القلب والروح ، وهما بمنزلة السمع والبصر من الدين .
وعلى هذا فيحتمل وجهين ، أحدهما : التوزيع ، فيكون أحدهما بمنزلة السمع والآخر بمنزلة البصر .
والثاني : الشركة ، فيكون هذا التنزيل والتشبيه بالحاستين ثابتا لكل واحد منهما ، فكل منهما بمنزلة السمع والبصر .
فعلى احتمال التوزيع والتقسيم تكلم الناس أيهما هو السمع وأيهما هو البصر ، وبنوا ذلك على أي الصفتين أفضل ، فهي صفة الصديق .
والتحقيق أن صفة البصر للصديق وصفة السمع للفاروق . ويظهر لك هذا من كون عمر محدثا كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « قد كان في الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن في هذه الأمة أحد
هامش
( 1 ) وهذا الكلام من فتح اللّه تعالى عليه ، رحمه اللّه ، وحسمه للمسألة إرشاد للباحث إلى وسائل قطع النزاع .
( 2 ) مجمع الزوائد ( 9 / 55 ) ، وقال : « رواه الطبراني ، وفيه فرات بن السائب وهو متروك » .