فعمر »
« 1 » . والتحديث المذكور هو ما يلقى في القلب من الصواب والحق وهذا طريقة السمع الباطن ، وهو بمنزلة التحديث والإخبار في الأذن ، وأما الصديق فهو الذي كمل مقام الصديقية لكمال بصيرته ، حتى كأنه قد باشر بصره مما أخبر به الرسول ، ما باشر قلبه ، فلم يبق بينه وبين إدراك البصر إلا حجاب الغيب ، فهو كأنه ينظر إلى ما أخبر به من الغيب من وراء ستوره . وهذا لكمال البصيرة ، وهذا أفضل مواهب العبد ، وأعظم كراماته التي يكرم بها ، وليس بعد درجة النبوة إلا هي ، ولهذا جعلها - سبحانه - بعدها فقال :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ
[ النساء : 69 ] وهذا هو الذي سبق به الصديق لا بكثرة صوم ولا بكثرة صلاة ، وصاحب هذا يمشي رويدا ويجيء في الأول . ولقد تعناه من لم يكن سيره على هذا الطريق وتشميره إلى هذا العلم ، وقد سبق من شمر إليه وإن كان يزحف زحفا ويحبو حبوا .
ولا تستطل هذا الفصل فإنه أهم مما قصد بالكلام . فليعد إليه .
فقيل : تقديم السمع على البصر له سببان ، أحدهما : أن يكون السياق يقتضيه ، بحيث يكون ذكرها بين الصفتين ، متضمنا للتهديد والوعيد ، كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته التي تقتضي الحذر والاستقامة ، كقوله :
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( 209 ) [ البقرة ] ، وقوله :
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
( 134 ) [ النساء ] .
والقرآن مملوء من هذا ، وعلى هذا فيكون في ضمن ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي ، وأبصر ما يفعلون ، ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان :
أحدهما : قابلوها بقولهم : صدقت ثم عملوا بموجبها .
والثاني : قابلوها بالتكذيب ، ثم عملوا بخلافها ، فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر ، فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر ، وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى لموسى :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : 46 ] ، هو يسمع ما يجيبهم ويرى ما يصنعه . وهذا لا يعم سائر المواضع ، بل يختص منها بما هذا شأنه .
والسبب الثاني : أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام ، مع غاية البعد بين السامع والمسموع ، أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده . وفي « الصحيحين » عن ابن مسعود قال : اجتمع عند البيت ثلاثة نفر : ثقفيان وقرشي ، أو قرشيان وثقفي ، فقال أحدهم : أترون اللّه يسمع ما
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 3210 ) في المناقب ، ومسلم ( 46 ) ورواه غيرهما .