تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
ذكر البنين مقدما كما في قوله :
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها
[ التوبة : 24 ] ، وقوله :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ
[ آل عمران : 14 ] . فأما تقديم الأموال في تلك المواضع الثلاثة ، فلأنها ينتظمها معنى واحد ، وهو التحذير من الاشتغال بها والحرص على تحصيلها ، حتى يفوته حظه من اللّه والدار الآخرة ، نهى « 1 » في موضع عن الالتهاء بها ، وأخبر في موضع أنها فتنة ، وأخبر في موضع آخر أن الذي يقرب عباده إليه إيمانهم وعملهم الصالح لا أموالهم ولا أولادهم ، ففي ضمن هذا النهي عن الاشتغال بها عما يقرب إليه . ومعلوم أن اشتغال الناس بأموالهم والتلاهي بها ، أعظم من اشتغالهم بأولادهم . وهذا هو الواقع حتى إن الرجل ليستغرقه اشتغاله بماله عن مصلحة ولده وعن معاشرته وقربه . وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة ، وهي أن « براءة » متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها ، أحب إليه من الجهاد في سبيل اللّه ، ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته ، تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله ، فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر ، ولا يكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله ، بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال ، فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال . وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر ، يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته ، فبدأ أولا بذكر أصول العبد ، وهم آباؤه المتقدمون طبعا وشرفا ورتبة ، وكان فخر القوم بآبائهم ومحاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية ، ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة ، ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم . ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة ، وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان والعشيرة . ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب ، فذكر الأصول أولا ثم الفروع ثانيا ، ثم النظراء ثالثا ، ثم الأزواج رابعا ؛ لأن الزوجة أجنبية عنده ، ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها ،
هامش
( 1 ) في المطبوعة « فهي » .