تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الأكثرين ، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي ، وحكوا هم وغيرهم عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا : البصر أفضل . ونصبوا معهم الخلاف ، وذكروا الحجاج من الطرفين ولا أدري ما يترتب على هذا المسألة من الأحكام حتى تذكر في كتب الفقه ، وكذلك القولان للمتكلمين والمفسرين « 1 » . وحكى أبو المعالي عن ابن قتيبة تفضيل البصر ، ورد عليه ، واحتج مفضلو السمع بأن اللّه تعالى يقدمه في القرآن حيث وقع ، وبأن بالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة ، فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان بما جاءوا به ، وهذا إنما يدرك بالسمع ؛ ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع : « ثلاثة كلهم يدلي على اللّه بحجته يوم القيامة » فذكر منهم رجلا أصم يقول : « يا رب ، لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئا » « 2 » . واحتجوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف أضعاف العلوم الحاصلة من البصر ، فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة ، والسمع يدرك الموجودات والمعدومات ، والحاضر والغائب ، والقريب والبعيد ، والواجب والممكن والممتنع ، فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه . واحتجوا بأن فقد السمع ثلم القلب واللسان ، ولهذا كان الأطرش خلقه . . لا ينطق في الغالب ، وأما فقد البصر فربما كان معينا على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها ، فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطنا فيقوي إدراكها ويعظم ؛ ولهذا تجد كثيرا من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقاد ، والفطنة ، وضياء الحس الباطن ، ما لا تكاد تجده عند البصير ، ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرق القلب وتشتيته ؛ ولهذا كان الليل أجمع للقلب والخلوة وأعون على إصابة الفكرة ، قالوا : فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر . ولهذا كثير في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام ، من هو أعمى ولم يعرف فيهم واحد أطرش ، بل لا يعرف في الصحابة أطرش ، فهذا ونحوه من احتجاجهم على تفضيل البصر . قال منازعوهم : يفصل بيننا وبينكم أمران : أحدهما : أن مدرك البصر النظر إلى وجه اللّه تعالى في الدار الآخرة ، وهو نعيم أهل
هامش
( 1 ) انظر هامش ( 3 ) في الصفحة السابقة ، ورحم ابن القيم صاحب الفقه الحي ، لا الآراء التي هي كالشوك في خلق العلم وأهله . ( 2 ) أحمد ( 4 / 24 ) ، وقال الهيثمي في المجمع ( 7 / 218 ، 219 ) : « رجال أحمد رجال الصحيح » .
البدائع في علوم القرآن — صفحة 233 | ابن قيم الجوزية