فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم فهو متأخر عن المناع ، لأنه يمنع خيره أولا ثم يعتدي عليهم ثانيا ؛ ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف « 1 » ، وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه .
وأما تقديم « هماز » على « مشاء بنميم » ففيه معنى آخر غير ما ذكره ، وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حالة في نفسه فإن قاله يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره ، والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده ، فهو ضرر متعد ، والهمز ضرره لازم للمهموز إذا شعر به ما ينتقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر .
وأما تقديم « الرجال » على « الركبان » ففيه فائدة جليلة وهي أن اللّه شرط في الحج الاستطاعة ولا بد من السفر إليه لغالب الناس ، فذكر نوعي الحجاج ، لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب ، وقدم الرجال اهتماما بهذا المعنى وتأكيدا ، ومن الناس من يقول : قدمهم جبرا لهم ؛ لأن نفوس الركبان تزدريهم وتوبخهم ، وتقول : إن اللّه لم يكتبه عليكم ولم يرده منكم ، وربما توهموا أنه غير نافع لهم ، فبدأ بهم جبرا لهم ورحمة .
وأما تقديم غسل الوجه ثم اليد ، ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء ، فمن يقول :
إن هذا الترتيب واجب وهو الشافعي وأحمد ومن وافقهما ، فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبا لقرائن عديدة :
أحدها : أنه أدخل ممسوحا بين مغسولين ، وقع النظير عن نظيره ، ولو أريد الجمع المطلق ، لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم ، والممسوح بعدها ، فلما عدل إلى ذلك ، دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره اللّه .
الثاني : أن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به ، وهو الوضوء فدخلت الواو لأجزائه بعضها على بعض ، والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض ، فدخلت بعضها على بعض ، والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض ، فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب ؛ إذ هو الربط المذكور في الآية ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين الأفعال لا ارتباط بينهما ، نحو :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ البقرة : 110 ] ، ألا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة بعضها ببعض ، فتأمل هذا الموضع ولطفه ، وهذا أحد
هامش
( 1 ) هذا من إنصاف العلامة ابن القيم رحمه اللّه تعالى حيث ينصف في أقواله ويأخذ الفائدة والحكمة حيث وجدت ومن تصفح مدارج السالكين وجد من ذلك الكثير ، وانظر مقدمة « بدائع التفسير » .