تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
نقول ؟ فقال الآخر : يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا ، فقال الثالث : إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا . ولم يقولوا : أترون اللّه يرانا ، فكان تقديم السمع أهم ، والحاجة إلى العلم به أمس . وسبب ثالث : وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد ، بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان ، فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى ، وبهذا يعلم تقديمه على العليم ، حيث وقع . وأما تقديم السماء على الأرض ففيه معنى آخر غير ما ذكره وهو أن غالبا تذكر السماوات والأرض في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته ، ومعلوم أن الآيات في السماوات أعظم منها في الأرض لسعتها وعظمها وما فيها من كواكبها وشمسها وقمرها وبروجها وعلوها واستغنائها عن عمد تقلها أو علاقة ترفعها ، إلى غير ذلك من عجائبها التي تعتبر الأرض وما فيها كقطرة في سعتها ، ولهذا أمر - سبحانه - بأن يرجع الناظر البصر فيها كرة بعد كرة ، ويتأمل استواءها واتساقها وبراءتها من الخلل والفطور ، فالآية فيها أعظم من الأرض وفي كل شيء له آية سبحانه وبحمده . وأما تقديم الأرض عليها في قوله :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
[ يونس : 61 ] ، وتأخيرها عنها في « سبأ » فتأمل كيف وقع هذا الترتيب في « سبأ » في ضمن قول الكفار :
لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[ سبأ : 3 ] ، كيف قدم السماوات هنا ؟ لأن الساعة إنما تأتي من قبلها وهي غيب فيها ومن جهتها تبتدئ وتنشأ ، ولهذا قدم صعق أهل السماوات على أهل الأرض عندها ، فقال تعالى :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ الزمر : 68 ] . وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس [ الآية 61 ] ، فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر وإعلامهم أنه - سبحانه - عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها ، وأنه لا يغيب عنه منها شيء ، اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء ، فتبارك من أودع كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام اللّه ، وأن مخلوقا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الكلام أبدا . وأما تقديم المال على الولد فلم يطرد في القرآن بل قد جاء مقدما كذلك في قوله :
وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ
[ سبأ : 37 ] ، وقوله :
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[ التغابن : 15 ] ، وقوله :
لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ المنافقون : 9 ] وجاء
البدائع في علوم القرآن — صفحة 236 | ابن قيم الجوزية