تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب . وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه وهو قول ابن أبي موسى - من أصحاب أحمد - ولعله أرجح الأقوال « 1 » . الثالث : أن لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها ألا تلغى وتهدر ، فيهدر ما اعتبره اللّه ، ويؤخر ما قدمه اللّه . وقد أشار النبي صلى اللّه عليه وسلّم إلى أن « ما قدمه اللّه فإنه ينبغي تقديمه ولا يؤخر » « 2 » ، بل يقدم ما قدمه اللّه ويؤخر ما أخره اللّه ، فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا وقال : « نبدأ بما بدأ اللّه به » . وفي رواية للنسائي : « ابدءوا بما بدأ اللّه به » « 3 » على الأمر ، فتأمل بداءته بالصفا معللا ذلك بكون اللّه بدأ به فلا ينبغي تأخيره ، وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء : نحن نبدأ بما بدأ اللّه به ، ولا يجوز تأخير ما قدمه اللّه ، ويتعين البداءة بما بدأ اللّه به وهذا هو الصواب ؛ لمواظبة المبين عن اللّه مراده على الوضوء المرتب ، فاتفق جميع من نقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتبا ، ولم ينقل عنه أحد قط أنه أخل بالترتيب مرة واحدة فلو كان الوضوء المنكوس مشروعا لفعله ولو في عمره مرة واحدة ، لتبين جوازه لأمته هذا بحمد اللّه أوضح « 4 » . وأما تقديم « النبيين » على « الصديقين » فلما ذكره ، ولكون الصديق تابعا للنبي ، فإنما استحق اسم « الصديق » بكمال تصديقه للنبي ، فهو تابع محض ، وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء ؛ لفضل الصديقين عليهم ، وتقديم « الشهداء » على « الصالحين » ؛ لفضلهم عليهم . وأما تقديم « السمع » على « البصر » ، فهو متقدم عليه حيث وقع في القرآن مصدرا أو فعلا أو اسما ، فالأول كقوله تعالى :
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
[ الإسراء : 36 ] . الثاني : كقوله تعالى :
إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى
[ طه : 46 ] . والثالث : كقوله تعالى :
سَمِيعٌ بَصِيرٌ
[ الحج : 61 ]
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الإسراء : 1 ]
وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً
[ النساء : 134 ] فاحتج بهذا من يقول : إن السمع أشرف من البصر ، وهذا قول
هامش
( 1 ) انظر المقدمة . ( 2 ) مسلم ( 1218 / 147 ) في الحج : باب : حجة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأبو داود ( 1905 ) في الحج ، باب : أمر الصفا والمروة . ( 3 ) النسائي ( 2970 ) في الحج ، باب : ذكر الصفا والمروة . ( 4 ) ولو تأمل أهل التحقيق هذه المسألة ، لكان كثير من الخلاف قد اضمحل ، وكثير من النزاع تلاشى ولكن هي الآراء التي أفسدت كثيرا من الأحوال ولا حول ولا قوّة إلا باللّه .