تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
هم المعتزلة والفلاسفة وطائفة ممن عداهم ، بل الذي ينبغي أن يقال في التقديم هنا : إنه تقديم الزمان ؛ لقول تعالى :
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ
( 27 ) [ الحجر ] . وأما تقديم الإنس على الجن في قوله :
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 56 ] ، فلحكمة أخرى سوى ما ذكر ، وهو : أن النفي تابع لما تعقله القلوب من الإثبات ، فيرد النفي عليه وعلم النفوس بطمث الإنس ونفرتها ممن طمثها الرجال هو المعروف ، فجاء النفي على مقتضى ذلك ، وكان تقديم الإنس في هذا النفي أهم . وأما قوله :
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
( 5 ) [ الجن ] فهذا يعرف سره من السياق ، فإن هذا حكاية كلام مؤمني الجن حين سماع القرآن ، كما قال تعالى :
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً
( 1 ) الآيات [ الجن ] . وكان القرآن أول ما خوطب به الإنس ونزل على نبيهم ، وهم أول من بدأ بالتصديق والتكذيب قبل الجن ، فجاء قول مؤمني الجن :
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
( 5 ) [ الجن ] بتقديم الإنس لتقدمهم في الخطاب بالقرآن ، وتقديمهم في التصديق والتكذيب . وفائدة ثالثة ، وهي : أن هذا حكاية كلام مؤمني الجن لقومهم ، بعد أن رجعوا إليهم فأخبروهم بما سمعوا من القرآن وعظمته وهدايته إلى الرشد ، ثم اعتذروا عما كانوا يعتقدونه أولا بخلاف ما سمعوه من الرشد ، بأنهم لم يكونوا يظنون أن الإنس والجن يقولون على اللّه كذبا ، فذكرهم الإنس هنا في التقديم أحسن في الدعوة وأبلغ في عدم التهمة ، فإنهم خالفوا ما كانوا يسمعونه من الإنس والجن لما تبين لهم كذبهم ، فبداءتهم بذكر الإنس أبلغ في نفي الغرض والتهمة ، وألا يظن بهم قومهم أنهم ظاهروا الإنس عليهم ، فإنهم أول ما أقروا بتقولهم الكذب على اللّه ، وهذا من ألطف المعاني وأدقها ، ومن تأمل مواقعه في الخطاب عرف صحته . وأما تقديم « عاد » على « ثمود » حيث وقع في القرآن فما ذكره من تقدمهم بالزمان ، فصحيح وكذلك الظلمات والنور ، وكذلك « مثنى » وبابه . وأما تقديم « العزيز » على « الحكيم » فإن كان من الحكم وهو الفصل والأمر ، فما ذكره من المعنى صحيح ، وإن كان من الحكمة وهي كمال العلم والإرادة ، لمتضمنين اتساق صنعه وجريانه على أحسن الوجوه . وأكملها ووضعه الأشياء مواضعها وهو الظاهر من هذا ( 1 ) وهي من مسائل الخلاف الشهيرة .