أخرى :
رُكَّعاً سُجَّداً
، ولم جمع « ساجد » على « السجود » ، ولم يجمع « راكع » على « ركوع » ؟ .
فالجواب : إن السجود في الأصل مصدر كالخشوع والخضوع ، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن ولو قال : « السجد » في جمع « ساجد » ، لم يتناول إلا المعنى الظاهر ، وكذلك الركع ، ألا تراه يقول :
تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً
[ الفتح : 29 ] ، وهذه رؤية العين وهي لا تتعلق إلا بالظاهر . والمقصود هنا الركوع الظاهر ؛ لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت ، والبيت لا يتوجه عليه إلا بالعمل الظاهر ، وأما الخشوع والخضوع الذي تناوله لفظ الركوع دون لفظ اركع ، فليس مشروطا بالتوجه إلى البيت ، وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن جعل وصفا للركع ومتمما لمعناه ؛ إذا لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن ، ومن حيث تناول لفظه أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت حسن انتظامه أيضا مع ما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذي ذكرهم بذكر البيت ، فمن لحظ هذه المعاني بقلبه وتدبر هذا النظم البديع بلبه ، ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد ، وأبصر بعين اليقين أنه
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
[ فصلت : 42 ] . تم كلامه « 1 » .
قلت : وقد تولج رحمة اللّه مضايق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأتى بأشياء حسنة ، وبأشياء غيرها أحسن منها ، فأما تعليله تقديم ربيعة على مضر ، ففي غاية الحسن ، وهذان الاسمان لتلازمهما في الغالب صار كاسم واحد ، فحسن فيهما ما ذكره .
وأما ما ذكره في تقديم الجن على الإنس من شرف الجن ، فمستدرك عليه ، فإن الإنس أشرف من الجن من وجوه عديدة قد ذكرناها في غير هذا الموضع .
وأما قوله : إن الملائكة منهم أو هم أشرف فالمقدمتان ممنوعتان ، أمّا الأول فلأن أصل الملائكة ومادتهم التي خلقوا منها هي النور ، كما ثبت ذلك مرفوعا عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في صحيح مسلم « 2 » . وأما الجان فمادتهم النار بنص القرآن ، ولا يصح التفريق بين الجن والجان لغة ولا شرعا ولا عقلا .
وأما المقدمة الثانية : وهي كون الملائكة خيرا وأشرف من الإنس فهي المسألة المشهورة وهي تفضيل الملائكة أو البشر ؟ . والجمهور على تفضيل البشر « 3 » ، والذين فضلوا الملائكة
هامش
( 1 ) أي السهيلي رحمه اللّه تعالى ، وقد أبدع إبداعا .
( 2 ) مسلم ( 2996 / 60 ) في الزهد والرقائق ، باب : في أحاديث متفرقة .
( 3 ) كما في حادي الأرواح وغيره .