تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
البنين بالسبب ، وتقدم الأموال على البنين بالرتبة . ومما تقدم بالرتبة ذكر السمع والعلم حيث وقع ، فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد ، فبدأ بالسمع لتعلقه بما قرب كالأصوات وهمس الحركات ، فإن من سمع حسّك وصوتك ، أقرب إليك في العادة ممن يقول لك : إنه يعلم ، وإن كان علمه تعالى متعلقا بما ظهر وبطن وواقعا على ما قرب وشطن ، ولكن ذكر « السميع » أوقع في باب التخويف من ذكر « العليم » فهو أولى بالتقديم . وأما تقديم « الغفور » على « الرحيم » ، فهو أولى بالطبع ؛ لأن المغفرة سلامة ، والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة . وفي الحديث : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لعمرو بن العاص : « أبعثك وجها يسلمك اللّه فيه ويغنمك ، وأرغب لك رغبة من المال » . فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة ، وبالغنيمة قبل الكسب . وأما قوله :
وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ
في سبأ ، فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة ، فإما الفضل والكمال وإما بالطبع ؛ لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان ، فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص ، كقوله :
فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
[ الرحمن : 68 ] ، وكقوله :
وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
[ البقرة : 98 ] ، ومما قدم بالفضل قوله :
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
[ آل عمران : 43 ] ؛ لأن السجود أفضل و « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » « 1 » ، فإن قيل : فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة ، لأنه انتقال من علو إلى انخفاض والعلو بالطبع قبل الانخفاض ، فهلا قدم الركوع ؟ الجواب أن يقال : انتبه لمعنى الآية من قوله :
وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
، ولم يقل : اسجدي مع الساجدين ، فإنما عبر بالسجود عن الصلاة وأراد صلاتها في بيتها ؛ لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها ، ثم قال لها :
وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
أي صلّي مع المصلين في بيت المقدس ، ولم يرد أيضا الركوع وحده دون أجزاء الصلاة ، ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة ، كما تقول : ركعت ركعتين وأربع ركعات ، يريد الصلاة لا الركوع بمجرده . فصارت الآية متضمنة لصلاتين صلاتها وحدها عبر عنها بالسجود . لأن السجود أفضل حالات العبد ، وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها ، ثم صلاتها في المسجد عبر
هامش
( 1 ) مسلم ( 215 / 482 ) في الصلاة ، باب : ما يقال في الركوع والسجود .