تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
عنها بالركوع لأنه في الفضل دون السجود ، وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها ، وهذا نظم بديع وفقه دقيق ، وهذه نبذ تشير لك إلى ما وراء أو سدل وأنت صحيح « 1 » . قالوا : ومما ذكره بهذا الباب قوله :
طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
[ البقرة : 125 ] ، بدأ بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين ، وجمعهم جمع السلامة ؛ لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير ولو كان مكان الطائفين الطواف ، لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله للطائفين ، ألا ترى أنك تقول : تطوفون ، كما تقول : طائفون ، فاللفظان متشابهان . فإن قيل : فهلا أتي بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين ، فيقول : وطهرا بيتي للذين يطوفون . قيل : إن الحكم يعلل بالفعل لا بذوات الأشخاص ، ولفظ الذين ينبئ عن الشخص والذات ولفظ الطواف بخفي معنى الفعل ولا يبينه ، فكان لفظ الطائفين أولى بهذا الموطن ثم يليه في الترتيب القائمين ؛ لأنه في معنى العاكفين ، وهو في معنى قوله :
إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
[ آل عمران : 75 ] ، أي مثابرا ملازما وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهر به ، ثم يليه بالرتبة لفظ الراكع ؛ لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين ؛ ولذلك لم يتعلق حكم التطهير بهذا الفعل الذي هو ركوع ، وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده ؛ فلذلك لم يجئ بلفظ جمع السلامة ؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل ، كما احتيج فيما قبله ، ثم وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله ؛ لأن الركع هم السجود والشيء لا يعطف بالواو على نفسه . ولفائدة أخرى وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر والمراد به هنا الجمع ، فلو عطف بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت . وفائدة ثالثة : أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة فلو عطفت هاهنا بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حياله . فإن قيل : فلم قال : السجود على وزن « فعول » ، ولم يقل : السّجد كالرّكع وفي آية
هامش
( 1 ) هكذا العبارة في الأصل وفيها مقصودة ولعل مقصوده : وهذه نبذة تشير إلى ما وراء الألفاظ وما أسدل عليها ، تنتفع بها لو تيقظت أو ما شابه وللّه أعلم .