تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره ، ومن المتقدم بالرتبة
يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ
[ الحج : 27 ] لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب ، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد ، على أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال : وددت أني حججت راجلا ؛ لأن اللّه قدم الرجالة على الركبان في القرآن ، فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول . والمعنيان موجودان . وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة ، وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة . ومما قدم للفضل والشرف
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
[ المائدة : 6 ] ، وقوله
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
[ النساء : 69 ] ، ومنه تقديم
السَّمِيعُ
على
الْبَصِيرُ
و
سَمِيعٌ
على
بَصِيرٌ
. ومنه تقديم
الْجِنَّ
على
الْإِنْسِ
في أكثر المواضع ؛ لأن الجن تشتمل على الملائكة ، وغيرهم مما اجتن عن الأبصار ، قال تعالى :
وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً
[ الصافّات : 158 ] . وقال الأعشى :
وسخر من جن الملائك شيعة * قياما لديه يعملون بلا أجر
وأما قوله تعالى :
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 56 ] ، وقوله :
لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ
[ الرحمن : 39 ] ، وقوله :
ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً
[ الجن : 5 ] فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال ، لنزاهتهم عن العيوب وأنهم لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب ، فلما لم يتناولهم عموم لفظ لهذه القرينة ، بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم . وأما تقديم السماء على الأرض فبالرتبة أيضا وبالفضل والشرف . وأما تقديم الأرض في قوله :
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
[ يونس : 61 ] فبالرتبة أيضا ، لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه وهم المخاطبون بقوله :
وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ
[ يونس : 61 ] فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها بخلاف الآية التي في سبأ فإنها منتظمة بقوله :
عالِمُ الْغَيْبِ
[ الجن : 26 ] . وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة ، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة ، فهذا من باب تقديم السبب على المسبب ؛ لأن المال سبب تمام النعمة بالولد . وأما قوله :
حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ
[ آل عمران : 14 ] ، فتقديم النساء على