الحركات وتوالت ، فلما أخرت ، وقف عليها بالسكون ، قلت : ومن هذا النحو الجن والإنس ، فإن لفظ الإنس أخف ، لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة ، فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم جماعة « 1 » . وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه : قدم الجن على الإنس في الأكثر الأغلب ، وسنشير إليها في آخر الفصل إن شاء اللّه .
أما تقدم بتقدم الزمان ، فكعاد وثمود ، والظلمات والنور ، فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول ، وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول ، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل ، قال سبحانه :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
[ النحل : 78 ] ، فالجهل ظلمة معقولة ، وهي متقدمة بالزمان على نور العلم ؛ ولذلك قال تعالى :
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[ الزمر : 6 ] فهذه ثلاث محسوسات : ظلمة الرحم ، وظلمة البطن ، وظلمة المشيمة « 2 » . وثلاث معقولات وهي عدم الإدراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة ، إذ لكل آية ظهر وبطن ، ولكل حرف حد ، ولكل حد مطلع ، وفي الحديث : « إن اللّه خلق عباده في ظلمة ، ثم ألقي عليهم من نوره » « 3 » .
ومن المتقدم بالطبع نحو
مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
[ النساء : 3 ] ، ونحو :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
الآية [ المجادلة : 7 ] وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع . كتقدم الحيوان على الإنسان ، والجسم على الحيوان . ومن هذا الباب تقدم
الْعَزِيزُ
على
الْحَكِيمُ
لأنه عز ، فلما عز حكم ، وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب ، ومثله كثير في القرآن نحو
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[ البقرة ] لأن التوبة سبب الطهارة ، وكذلك
كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
( 222 ) [ الشعراء ] لأن الإفك سبب الإثم ، وكذلك
كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
[ المطففين : 12 ] .
وأما ما تقدم « هماز » على « مشاء بنميم » فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان ، والهماز : هو العياب ، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه ، بخلاف النميمة . وأما تقدم « مناع للخير » على « معتد » فبالرتبة أيضا ؛ لأن المناع يمنع من نفسه ،
هامش
( 1 ) أي راحته .
( 2 ) يقول الأطباء أن الأقرب لمعنى الكلمات الثلاث : - ظلمة البطن ثم الرحم ثم ما يسمى بالكيس الأميني( AMINOTIC SAC )وهو المحيط بالطفل ويحتوي على ماء ، أما المشيمة فيها مجموعة أوعية دموية تشبه الطحال تنقل الغذاء للطفل واللّه أعلم .
( 3 ) أحمد ( 2 / 176 ) ، والترمذي ( 2642 ) في الإيمان ، باب : ما جاء في افتراق هذه الأمة ، وقال : « حسن » .