تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣

تقديم بعض الكلام على بعض

قال سيبويه « 1 » : الواو لا تدل على الترتيب ولا التعقيب ، تقول : صمت رمضان وشعبان ، وإن شئت شعبان ورمضان ، بخلاف « الفاء » و « ثم » ، إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم ، وهم ببيانه أعنى ، وإن كان جميعا يهمانهم ويغنيانهم . هذا لفظه . قال السهيلي : وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيين ، فيقال : متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقدم ، ويكون المتكلم ببيانه أعنى قال : والجواب : أن هذا الأصل يجب الاعتناء به ؛ لعظم منفعته في كتاب اللّه وحديث رسوله ، إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر نحو :
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
و
الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
و
اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
و
الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
في الأكثر . وفي بعضها الإنس والجن وتقديم السماء على الأرض في الذكر ، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو
سَمِيعٌ عَلِيمٌ
، ولم يجيء « عليم سميع » وكذلك « عزيز حكيم » و « غفور رحيم » وفي موضع واحد « الرحيم الغفور » إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر ، وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة لأنه كلام الحكيم الخبير ، وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلا يقف بك على الطريق الأوضح ، فنقول : ما تقدم من الكلم فتقديمه في اللسان على حساب تقدم المعاني في الجنان ، والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء : إما بالزمان ، وإما بالطبع ، وإما بالرتبة ، وإما بالسبب ، وإما بالفضل والكمال . فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخفة والثقل بأحد هذه الأسباب الخمسة أو بأكثرها ، سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق ، وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك ، نعم ؛ وربما كان ترتب الألفاظ بحسب الخفة والثقل ، لا بحسب المعنى كقولهم : ربيعة ، ومضر ، وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل ، ولكن آثروا أخفه . لأنك لو قدمت مضر في اللفظ كثرت
هامش
( 1 ) الكتاب لسيبويه وانظر « الواو المزيدة » .