تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البدائع في علوم القرآن — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
فاعلم أن هذه الجملة مشتملة على ستة أسماء كل اثنين منها قسم ، فابتدأها ب
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
وهما اسمان مطلقان وصفتان من صفات ذاته وهما مجردان عن العطف . ثم ذكر بعدهما اسمين من صفات أفعاله ، فأدل بينهما العطف . ثم ذكر اسمين آخرين بعدهما وجردهما من العاطف ، فأما الأولان فتجردهما من العاطف ؛ لكونهما مفردين صفتين جاريتين على اسم اللّه ، وهما متلازمان فتجريدهما عن العطف هو الأصل ، وهو موافق لبيان ما في الكتاب العزيز من ذلك ك
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
و
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
و
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
. وأما
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ
، فدخل العاطف بينهما ؛ لأنهما في معنى الجملتين ، وإن كان مفردين لفظا ، فهما يعطيان معنى يغفر الذنب ويقبل التوب ، أي : هذا شأنه ووصفه في كل وقت . فأتى الاسم الدال على أن هذا وصفه ونعته المتضمن لمعنى الفعل الدال على أنه لا يزال يفعل ذلك ، فعطف أحدهما على الآخر على نحو عطف الجمل بعضها على بعض ولا كذلك الاسمان الأولان ، ولما لم يكن الفعل ملحوظا في قوله :
شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
؛ إذ لا يحسن وقوع الفعل فيهما ، وليس في لفظ : ( ذي ) ما يصاغ منه فعل ، جرى مجرى المقردين من كل وجه ، ولم يعطف أحدهما على الآخر كما لم يعطف في
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
، فتأمله فإنه واضح . وأما العطف في قوله :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى
( 3 ) [ الأعلى ] ، فلما كان المقصود الثناء عليه بهذه الأفعال ، وهي جملة ، دخلت الواو عاطفة جملة على جملة وإن كانت الجملة مع الموصول في تقدير المفرد ، فالفعل مراد مقصود ، والعطف يصير كلّا منها جملة مستقلة مقصودة بالذكر ، بخلاف ما لو أتي بها في خبر موصول واحد فقيل :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
[ الزخرف : 10 - 12 ] كانت كلها في حكم جملة واحدة ، فلما غاير بين الجمل بذكر الاسم الوصول مع كل جملة دل على أن المقصود وصفه بكل من هذه الجمل على حدتها « 1 » .
هامش
( 1 ) بدائع الفوائد ( 1 / 189 - 193 ) .