إلى فهم ما نحن فيه : إذا كان لرجل مثلا أربع صفات : هو عالم وجواد وشجاع وغني ، وكان المخاطب لا يعلم ذلك أو لا يقر به ، ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل فإذا قلت :
زيد عالم ، وكان ذهنه استبعد ذلك ، فتقول : وجواد ، أي : وهو مع ذلك جواد . فإذا قدرت استبعاده لذلك ، قلت : وشجاع ، أي وهو مع ذلك شجاع وغني ، فيكون في العطف مزيد تقرير وتوكيد ، لا يحصل بدونه ، تدرأ به توهم الإنكار .
وإذا عرفت هذا فالوهم قد يعتريه إنكار لاجتماع هذه المقابلات في موصوف واحد ؛ فإذا قيل : هو الأول ربما سرى الوهم إلى أن كونه أولا يقتضي أن يكون الآخر غيره لأن الأولية والآخرية من المتضايفات . وكذلك الظاهر والباطن إذا قيل : هو ربما سرى الوهم إلى أن الباطن مقابله ، فقطع هذا الوهم بحرف العطف ، الدال على أن الموصوف بالأولية هو الموصوف بالآخرية ، فكأنه قيل : هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن لا سواه ، فتأمل ذلك ، فإنه من لطيف العربية ودقيقها .
والذي يوضح لك ذلك أنه إذا كان للبلد مثلا قاض وخطيب وأمير فاجتمعت في رجل ، حسن أن تقول : زيد هو الخطيب والقاضي والأمير ، وكان لعطف هنا مزية ليست للنعت المجرد ، فعطف الصفات هاهنا أحسن ، قطعا لوهم متوهم أن الخطيب غيره وأن الأمير غيره .
وأما قوله تعالى :
غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ
( 3 ) [ غافر : 3 ] ، فعطف في الاسمين الأولين دون الآخرين . فقال السهيلي : إنما حسن العطف بين الاسمين الأولين لكونهما من صفات الأفعال ، فعله - سبحانه - في غيره لا في نفسه ، فدخل حرف العطف للمغايرة الصحيحة بين المعنيين ولتنزلهما منزلة الجملتين ؛ لأنه يريد تنبيه العباد على أنه يفعل هذا ليرجوه ويؤملوه ، ثم قال :
شَدِيدُ الْعِقابِ
بغير واو ؛ لأن هذه راجعة إلى معنى القوة والقدرة وهو معنى خارج عن صفات الأفعال ، فصار بمنزلة قوله :
الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
وكذلك قوله :
ذِي الطَّوْلِ
لأن لفظ : « ذي » عبارة عن ذاته ، هذا جوابه « 1 » ، وهو كما ترى غير شاف ولا كاف ، فإن شدة عقابه من صفات الأفعال ، وطوله من صفات الأفعال ، ولفظة « ذي » فيه لا تخرجه عن كونه صفة فعل ، كقوله :
عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ
، بل لفظ الوصف بغافر وقابل أدل على الذات من الوصف بذي لأنها بمعنى صاحب كذا . فالوصف المشتق أدل على الذات من الوصف بها فلم يشف جوابه بل زاد السؤال سؤالا .
هامش
( 1 ) قد يكون غير شاق أو كاف بما يراه ابن القيم ، لكن نظر جيد هذا كلام العلامة السهيلي رحمه اللّه تعالى .