تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 728

مساهمون:

ص٧٢٨
امتدح بنفي إله معه كما امتدح بنفي خالق وغيره معه على كل وجه ، فلذلك قال :
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ
[ لقمان : 11 ] ، ولو كانوا / يخلقون أجناسا وأعيانا من الأعراض لقالوا هذه الأشياء كلّها من خلق اللّه وهذه كلّها كخلق اللّه ومثله ، فوجب أن يكون كلّ ما قدّموه من نفي خالق غير اللّه على النفي والمدح على الحقيقة . فأمّا قوله :
وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً
[ العنكبوت : 17 ] ، فإنّما يعني به أنّكم تختلقون كذبا ، لأنّ الخلق يكون بمعنى الاختلاق الذي هو الكذب ، ومنه قولهم : حديث مخلوق يعنون مختلق متكذب وقوله :
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
[ الشعراء : 137 ] إنّما هو حكاية عن قول الكفار في القرآن ، وإنّما عنوا به أنّه من كذب الأولين ، وقوله :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
[ المؤمنون : 14 ] ، إنّما يعني به - وهو أعلم - أحسن المصورين تصويرا وأحسن المقدّرين تقديرا ، لأنّ الخلق يكون بمعنى التصوير والتقدير ، وكذلك التأويل في قوله :
وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ
[ المائدة : 110 ] يعني تصوّر وتقدّر ، والتصوير والتقدير قد يوصف به الخلق كما يوصف به الخالق ، وليس التقدير والتصوير من الإبداع والإنشاء في شيء ، فإنّما نفى خالقا غيره مبدعا منشئا ، ولم ينف مصوّرا ومقدّرا غيره ، وليس معنى المصوّر أنّه خلق الصورة والتصوير ، ولا معنى المقدّر أنّه خلق الفكر والتقدير ، وإنّما معناه أنّ له تقديرا وتصويرا ، وهل هو خالق لما هو له من ذلك أو غير خالق له ؟ معتبر بالدليل . قال الحجاج :
أني لا أهمّ إلّا أمضيت * ولا أخلق إلا فريت
يعني : أقدر إلا أمضيت ، وهذا التقدير فكر وروية وطلب للعلم بصواب العاقبة ، وهذا غير جائز على اللّه سبحانه .