فأما تعلّقهم بقوله :
نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ
[ الزخرف : 80 ] ،
لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ
[ آل عمران : 5 ] ونحوه ، وأنّه نقيض قوله :
وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ
[ آل عمران :
77 ] فإنّه باطل لأنه عنى بالأول أنّه عالم وأنّه سميع بصير لا تخفى عليه الأوصاف والمرئيات ولا تستر عنه بعض المعلومات ، وأراد بالثاني نظر التعطّف والرحمة ، من قولهم فلان لا ينظر لنفسه وعيلته ، يراد أنّه لا يتعطف عليهم ولا يرحمهم ، وليس هو من نظر الرؤية في شيء .
وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً
[ الإنسان : 24 ] ، وأنّه نقيض قوله :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا
[ الكهف : 28 ] ، لأنّ الآثم والكفور ممن أغفل قلبهما عن ذكره وفي الآية الأولى تخيير له في أن لا يطيع الآثم إن شاء أو الكفور فإنّه باطل ، لأنّ أو في هذا الموضع بمعنى الواو ، لا بمعنى التخيير ، وهو مثل قوله :
وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ
[ الصافات : 147 ] يعني ويزيدون ، ومنه قولهم : ما أكره أن يأكل طعامي أو يلبس ثيابي أو يتبسّط في ملكي ، ويركب مركوبي وليس هو هاهنا واو تخيير وإنّما يريد أنّه لا يكره أن يأكل أو يلبس ويركب وقد مضى في هذا من قبل ونحوه ما فيه مقنع .
وأمّا قوله :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ المائدة :
116 ] ، فإنّما يريد التقرير على ذلك ليكذبهم وتقوى الحجّة عليهم ، وليس يعني به السؤال والاستخبار ، وكذلك قوله :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
[ طه : 17 ] ، إنّما هو تقوية لإظهار ما يريد فيها من الأعجوبة ، وقد قيل إنّ عيسى عليه السلام / لم يعلم ما أحدثوا بعده من الكفر بعبادته ، فقال له ذلك ليقول لا ، فيعلمه أنّهم قد عبدوه بعده .