تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 725

مساهمون:

ص٧٢٥
اختلاف ، وقد بيّنا الكلام في الآيتين وجميع ما يمكن أن يقال فيهما في الكلام في الأصول بما يغني الناظر فيه إن شاء اللّه . فأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
[ النساء : 17 ] ،
وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً
[ الأحزاب : 25 ] ، و
سَمِيعاً بَصِيراً
[ النساء : 58 ] ، وأنه نقيض قوله :
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ الأنعام : 101 ] ، و
عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 106 ] ، لأنّ قوله « كان » موضوع لما مضى وباد وانقضى ، وقوله
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
ونحوه يقتضي وجوده في هذا الوقت ، وكونه عالما وعلى هذه الأوصاف ، وذلك مختلف متضاد ، فإنّه لا تعلّق لهم فيه ، لأنّ لفظة كان موضوعة لما مضى وسبق وتقدّم ، وقد يكون ما هذه سبيله باقيا وقد يكون معدوما منقضيا ، لأنّ الجالس في مكانه قد يقول : كنت جالسا من أول النهار ، وكنت ذاكرا لما تجاريناه عند لقاء زيد ، وهو لا يعني بذلك أنّه كان جالسا وقام ذاكرا ثم نسي وذهب ذكره ، وإنّما يعني تقدّم جلوسه وذكره ، وكذلك لو قال كانت الشمس منذ أوّل الدهر ، وكانت السماء يوم ابتدئ العالم ، ونحو هذا لم يوجب بذلك اللفظ تقضّيهما ، وعدمهما بعد الكون السابق ، وإنّما يوجب بذلك سبقهما وتقادم وجودهما ونفي حدوثهما في هذا الوقت ، وكذلك قوله :
وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
، و
قَوِيًّا عَزِيزاً
، و
سَمِيعاً بَصِيراً
، أنّه لم يزل على هذه الأوصاف وأنّه لم يستحدثها ولم يتجدد له وليس / يوجب ذلك عدمه بعد تقدّمه وخروجه عن هذه الصفات بعد ثبوتها ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهموه . وقد يقال كان زيد موجودا ، وكان مرضه شديدا ، وكان ماله كثيرا ويعني بذلك أنّه كان وعدم وتقضى بلفظة « كان » التي تفيد التقدّم وسبق ما جرى في وصفه ، ثم قد تقدّم الدليل على عدمه ، وقد لا يكون معدوما .