فأمّا قوله :
مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
[ السجدة : 8 ] فلم يعن به آدم ، وإنّما أراد به ذريته أوّل إنسان خلق منهم ، خلق من نطفة آدم وحواء ثم كلّ أولادهم من نطفة إلا عيسى بن مريم .
فأمّا تعلّقهم بقوله :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] ، وأنّه نقيض قوله :
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
[ النساء : 42 ] ، لأنّهم إذا حلفوا له أنّهم غير مشركين فقد كتموه حديثا ، وأيّ حديث ، فإنّه لا تعلّق لهم فيه ، لأجل أنّ اللّه ضمن للموحّدين غفران ما دون الشرك إن شاء ، والتجاوز عنهم ، والجزاء على إيمانهم ، فلمّا رأى المشركون الصفح عنهم ، وذكروا ضمان اللّه الغفران لهم قال بعضهم لبعض إذا سألنا حلفنا أنّا لم نكن مشركين حتى يتجاوز عنّا وذلك قوله :
يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ / لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ
[ المجادلة : 18 ] ، فلمّا اجتمعوا قال لهم تعالى : أين شركائي قالوا عند ذلك :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] ، فلمّا كتموا الشرك الذي كانوا عليه في الدنيا ختم اللّه عند ذلك على أفواههم وأنطق جوارحهم فتشهد بالشرك عليهم فيودّون أن الأرض انشقت بهم ، ولم يكتموا اللّه ما دانوا به من الشرك .
ويمكن أيضا أن يعني بقوله :
يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ
[ النساء : 42 ] « 1 » من شدة الهول والجزع ، ثم ابتدأ فقال :
وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً
[ النساء : 42 ] ، لأنّه عالم به ولا يقدرون على كتمان ما هو أعلم به منهم ، ويمكن أن يكون أراد أنّهم يحلفون أنّهم ما كانوا عند أنفسهم مشركين باللّه أي أننا كنا نظنّ أنّنا على الحقّ ، وكنّا غير متعمّدين للشرك ، وذلك أنّ ما حلفوا عليه غير نافع لهم ولا مقبول منهم ، لأنّهم كانوا بصفة من يصحّ علمهم بباطلهم ويتأتى لهم متى أرادوه وقصدوه .
هامش
( 1 ) هكذا الآية ، وقد وردت في الأصل : « يودون لو تسوّى بهم الأرض » ، والصواب ما أثبتناه .