تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 704

مساهمون:

ص٧٠٤
فإذا أمكن تخريج هذا على بعض مذاهب المسلمين ، فقد خابت آمالهم وانقطع رجاؤهم وزال إشغابهم ، وصحّ أنّ القرآن هدى ونور منزل من عند حكيم عليم . وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى :
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ
[ الأحزاب : 39 ] ، وأنّه نقض ذلك قوله :
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[ الأحزاب : 37 ] ، لأنّ هذا تصريح بأنّه خشي النّاس ولم يخش اللّه أو كاد أن لا يخشاه ، وهو نقيض الخبر الأوّل ، فإنّه ممّا لا تعلّق لهم فيه من وجوه : أحدها : أنّ في النّاس من يحمل هذا على أنّ اللّه سبحانه حكى قول رسوله لزيد بن حارثة ، وأنّه كان يعظه بمثل هذا الكلام ، وبقوله :
وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ
، كأنّ الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قال لزيد : وتخفي في نفسك ما اللّه مبديه ، وقال له :
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
، وليس هذا بعتاب للنبي صلّى اللّه عليه ومثل هذا التأويل سائغ غير بعيد . والوجه الآخر / : أنّه قد كان أوحي إلى النبي صلّى اللّه عليه أنّ امرأة زيد تكون زوجة لك فكتم هذا ولم يخبر به زيدا ولا غيره ؛ مخافة أن يتسرع زيد إلى طلاقها إذا علم رغبة الرسول فيها ، وأن يقول عند ذلك المنافقون أمره بطلاقها ، وفرّق بينه وبينها ، ثم تزوّجها ، ويجعلون ذلك وصمة ومطعنا وذريعة إلى الغميزة عليه والقدح في فضله ، فيجب لذلك الإخبار بما أنزل اللّه عليه فأخبر به خشية ما ذكرناه فقال :
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
أي : لا تخف في إظهار ذلك ، فإنّهم لن يضروك بشيء خفته .