تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 702

مساهمون:

ص٧٠٢
فهم إلى اليوم يتسوّرون ويلبسون الأطواق والأسورة والتيجان ، ويبالغ في ذلك ويتنوّق فيه ويرصّعه ، ولكن ذلك لعظمائها دون صغارها وسفاسفها ، وأهل الجنّة في أجلّ رتبة وأرفع منزلة وأيسرهم نعيما في الجنّة ، وإن لم يكن في نعيمها يسيرا أعظم من سائر نعيم ملوك الدنيا ، فزال ما قالوه . فأمّا تعلّقهم بقوله :
عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ
[ الإنسان : 21 ] « 1 » وإن ذلك نقص منه ، لتعظيم شأن ما فيها لأجل أن السّندس هو البزيون - زعموا ، والاستبراق غليظ الدّيباج / ، فإنّه لا تعلّق فيه ؛ لأنه إن كان السّندس هو البزيون ، فإن لهم من الفرش ما هو على نمط البزيون وصفته ، ومخالف لجنسه في كونه وهيئته ولينه ، ولعلمه أن يكون ألين من كلّ سندس من مرعزّى الأوبار وألين الأصواف ، وما لا يقدر البشر أبدا على إيجاد مثله ولا ينتهون إليه ، فأمّا الإستبرق فإنّه إن كان غليظ الديباج فإنّه من الحسن والهيئة ، وجميل المنظر وليّن الملمس ، بحيث يقصر عنه وصف الواصفين ، وليس كلّ الناس ترغب في ضعيف الديباج ورقيقه ، بل الدّهماء منهم ترغب في متينه وغليظه ، لأنّه أجلّ ولذلك عظم الروميّ والملكيّ على التستريّ وما جرى مجراه ، فكيف بغليظه إذا كان بصفة ما قلناه ؟ ! وكلّ هذا تلاعب منهم وتخالع واستهواء للعامّة من أتباعهم ، والأوغاد من معظّميهم وشيعتهم ، ومن أدلّ الأمور على ضيق الأمر بهم ، وعدم المطاعن على شيء من كتاب اللّه . فأمّا تعلّقهم بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً
[ يونس : 44 ] ،
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] ،
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[ فاطر : 18 ] ، ونحو
هامش
( 1 ) هكذا الآية ، وقد وردت بقلم الناسخ في الأصل : « ويلبسون ثيابا سندس خضر وإستبرق » .
الإنتصار للقرآن — صفحة 702 | محمد بن الطيب الباقلاني