تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 699

مساهمون:

ص٦٩٩
فأمّا قولهم : إنه قلّ ما يؤكل ويشرب عسلا صرفا حتى يمزج ويعالج ، فإنّه كذب ، لأنّ كثيرا من الناس يشتهيه صرفا ، ولعله يمزج لمزاجته ممزوجا ، واللّه سبحانه إنّما ذكر لهم الأشربة في الجنّة من هذه الأجناس ، ليدلهم على أنّ هناك لبن وعسل وخمر وماء وأنواع ما تدعو إليه الأنفس ، لا لكي يدلّ بذلك على أنّه مثل طعم الذي في الدنيا وصفته لا يفوقه ويزيد عليه ، وكذلك إنّما وصف الماء بأنّه في أنهار وأنّه غير آسن ولا متغير ، لأنّ القوم الذين خوطبوا بذلك إنّما كانوا يشربون من العيون الضيقة والآبار النزة وربّما كان الماء لقلته آسنا متغيرا ، فعرّفهم أنه هناك غير قليل ولا محصور مغير مقتّر محدود ، فبان بذلك بطلان ما قالوه ، وكذلك قوله :
فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
[ الرحمن : 68 ] ،
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ
[ الواقعة : 21 ] ، وغير / ذلك إنّما أورده لكي يعرّفهم أنواع ما في جنانه ، ولم يذكره لكي يعرّفهم أنّه على صفات ما في الجنّة من الثمار واللحوم ، على صفات ما تقع عليه هذه الأسماء والنعوت في الدنيا من غير تحصيل مزية ولا زيادة حسن وطيب ولذة ، وما لا يقدر جميع من على وجه الأرض على تركيب طعام وشراب يبلغ لذته ، وإن صنعوه وعالجوه بكلّ مزاج وتركيب ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه . فأما تعلّقهم بقوله :
رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُهُ مِسْكٌ
[ المطففين : 25 - 26 ] ، وإنّ ذلك نقيض لوصفه أنهار الخمر ، لأنّ الختم يقتضي العزّة والقلة ، وقولهم : ولم ختمه الخشية الغارة واللصوص ؟ ونحو ذلك من الجهالات ، فإنّه حمق وبله وتلاعب من الملحدة ، لأنّ معنى ( ختامه مسك ) أي منقطعة يوجد عنده طعم المسك من رائحته وهو من أجمل الشراب ، ولو كان الختام هو الختم والطابع لم يدل ذلك على القلة ولكان على التشريف لأولياء اللّه
الإنتصار للقرآن — صفحة 699 | محمد بن الطيب الباقلاني