تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنتصار للقرآن — صفحة 697

مساهمون:

ص٦٩٧
والهواء والتراب والنار التي هي عند الفلاسفة أصول الأشياء التي هي قديمة لم تزل ، ومنها تنمو الأشياء وتزيد ، وإليها تنحلّ وتفسد ، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما قالوه ، وقد يقول القائل لمن يسمع كلامه ويدركه ويشاهد فعله ويحسه : ما قلت شيئا وما صنعت شيئا ، أي : ما صنعت شيئا نافعا ، وما قلت شيئا مفيدا محصّلا ، وليس يعني بذلك كونه ووجوده ، وهذا يزيل توهّمهم ويقطع مادة أشغالهم . فأما تعلّقهم بقوله تعالى : /
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
( 21 ) [ التكوير : 19 - 21 ] ، وأنّه نقيض لقوله :
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
[ التوبة : 80 ] ، وأنّ هذه صفة معصي غير مطاع ، فإنّه جهل منهم لأنّ الرسول المطاع هو جبريل في قول كثير من المسلمين ، هو مطاع في السماء وعند الملائكة ولم يرد به إجابة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جميع ما يلتمسه . ويحتمل أن يكون الرسول هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ويكون معنى قوله :
مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ
عند المؤمنين به وعند خزنة الجنّة ، وليس يعقل من قول مطاع أن اللّه هو الذي يطيعه ، وإنّما يعقل من ذلك أنه إنّما يطيعه من يأمره وينهاه ممّن أجابه وعرف حقّه ونبوته ، فبطل ما قالوه . فأما تعلّلهم بقوله في قصة نوح ومحمد عليهما السلام وقوله :
وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ
[ هود : 31 ] ، وقوله في قصة محمد مثل ذلك ، وأنّه نقيض قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
[ الجن : 26 - 27 ] ، فإنّه ليس على ما ظنّوه ، لأن نوحا ومحمدا إنّما نفيا عن أنفسهما إدراك الغيوب من غير توقيف وإخبار على وجه ما يدركه اللّه سبحانه
الإنتصار للقرآن — صفحة 697 | محمد بن الطيب الباقلاني